لا ريب في أن مفهوم «الأمة» من أكثر المفاهيم رواجًا في الخطابات الفكرية العربية على مختلف مشاربها المعرفية والأيديولوجية، وهذا الرواج لهذا المفهوم لا يُحدث تشوشًا في استعماله فحسب، بل يُعمي، في واقع الحال، عن مضامينه الأيديولوجية المتذرعة وراءه. فالتيارات الأيديولوجية والفكرية تستعمل المفهوم للتعبير عن معان شتى، قوموية كانت أم إسلاموية أم وحدوية.

وقد رصد «ناصيف نصار» في كتابه الضخم «تصورات الأمة المعاصرة: دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر» (١٩٨٦م) التصورات المختلفة لمناحي الفكر العربي، حديثه ومعاصره، وقسم هذه التصورات إلى أربعة: تصورات دينية (سياسية ولا سياسية وتوفيقية)، وتصورات لغوية، وتصورات إقليمية، وتصورات سياسية.

ولا يهمنا ههنا تتبع الجدل الفكري المتعلق بمفهوم الأمة أو بتحديده لغويًا أو معرفيًا، إن ما يهمنا ههنا هو رفع لافتة «الأمة» في الخطابات الإسلامية-الحداثية (مَن يُسمون بالإسلاميين الحداثيين) في وجه الدولة التي يُفترَض أنها، في هذا الخطاب، قد سرقت مهمة الأمة التحريرية ولم تمثل الأمة.


الأمة، والدولة، والمثقفون

فلماذا دائمًا ما تكون هناك ثنائية في الخطابات الثقافية التي تعمل على أن تكون مناهضة بشكلٍ أعم لكل السلطويات بين الأمة والدولة، وأحيانًا بين الأمة والمثقف؟ أي بصورة أكثر تحديدًا: لماذا «الأمة»، في كثيرٍ من الأحيان، هي المنتصرة بينما آخرها، سواء أكان دولةً أو مثقفًا، هو الخائن لها والمتآمر عليها؟ طبعًا، في هذا السياق، لا أفترضُ دفاعًا عن المثقف ضد الأمة، أو عن الدولة ضدها بتاتًا.

كل ما أود الإلفْات إليه هو عملية تسكين الأمة في موضع جاهز وفي قوالب نمطية ساكنة باعتبار أن الأمة شيء نهائي وناجز، وهناك فئة مثقفين لا «يمثلونها»، أو دولة سرقت دورها التاريخي.

ما يزيد من هذا التساؤل، في واقع الأمر، هو كتابة الأقلام الإسلامية-الحداثية التي تحاول أن تدافع عن كيان تاريخي كبير اسمه «أمة إسلامية» وتعمل على إعادة الفاعلية له تجاه الدولة التي، بزعمهم، صارت ضد الأمة. ولذلك، أكثر ما يستوقف المرء في الكتابات الإسلامية-الحداثية هو التركيز على موضوع الأمة باعتبارها كيانًا متجانسًا حتى وإن احتوى كيانات أخرى بداخله يستقطبها إليه.

لقد طرحت الراحلة د. منى أبو الفضل سابقًا أطروحة متعلقة بالأمة في كتابها «الأمة القطب»، حيث ادعت أن الأمة الإسلامية هي «أمة قطب»؛ أي أمة تستقطب إليها بقية الأمم والكيانات بداخلها، وأن الأمة الإسلامية ليست «أمة مركزًا» التي تكون ممركزة وتبوّئ نفسها المكانة العليا. وحاججت أبو الفضل أن الأمة، إسلاميًا، أو قرآنيًا بالأحرى، هي كيان غير سياسي، وإنما كيان له صلة بمفاهيم أخرى كالاستخلاف والأمانة وغيرهما؛ أي أنه كيان عَقيدي، ومن ثم لا تربط أبو الفضل الأمة بكيان سياسي (كما تفعل الحركات الإسلامية).

وكما نعلم جميعًا، فإن ما نسميه «الأمة الإسلامية» هو كيان فضفاض، ويمكن أن يستخدم في إطارات طائفية؛ باعتبار أنها تمثل السنة -التي خرجَ علينا مثقفون مؤخرًا يقولون إن السنة ليسوا طائفة- أو أنها تمثل الشيعة -التي زعم منظرون لها تاريخيًا أن الولاية لهم-، في حين أن هذه التنظيرات كلها محكومة بتصورات حديثة عن الشأن العمومي التي يظن منظرو «الأمة» المستميتون في الدفاع عنها أنهم يعارضونها.

فثنائية الأمة والدولة، بلا ريب، هي صنيعة ميتافيزيقا سياسية حديثة نشأت مع الدولة الحديثة، وتبلورت أكثر مع الدولة-الأمة التي هي، باختصار شديد، الدولة التي تمثل «الأمة» سياسيًا. ولا أريدُ أن أخوضَ نقاشًا متعلقًا بطبيعة الأمة في السابق أو بطبيعة الدولة؛ (إذ أن تنظيراتنا حول ذلك إما محكومة سلفًا بمعيارية حداثية لإثبات «استبدادية» الدول في التراث الإسلامي، أو محكومة بدفاع عن طبيعة هذه الدول -إن صحت تسميتها بـ«دولة»- في هذا التراث ضد الدول الحديثة السلطوية).


الأمة/الدولة: من أنشأ الآخر؟

ثنائية الأمة والدولة هي صنيعة ميتافيزيقا سياسية نشأت مع الدولة الحديثة، وتبلورت أكثر مع الدولة-الأمة التي هي الدولة التي تمثل «الأمة» سياسيًا.

إن الحديث حول الأمة اليوم كما يقدم في هذه الخطابات التي تظن أنها تقف في وجه الدولة-الأمة هو حديث يشوبه غموض وتشوش مفاهيمي هائل.

فإذا كان الحديث عن الأمة سياسيًا (وهو الشيء الذي يمكن أن يكون له معنى اليوم إفلاتًا من الأطر الميتافيزيقية له التي ستحيله في نهاية المطاف إلى إطار غير محدد وهلامي ويستخدمه الجميع)، فإنه يفترضُ أننا نتناقش في ظل الدولة الحديثة التي تستعمل معجمًا سياسيًا خاصًا بها مختلفًا عن المعجم القديم في تحديده لمفاهيم الجماعة والأمة والحكم -كما وضح «رضوان السيد» في دراساته الرائدة حول الأمة والجماعة في عددٍ من كتبه.

ولذلك، ما يستوقفُ المرء في سياقٍ حداثي معقد كسياق الدولة الحديثة هذا، هو أن مَن يظنون أنهم يفلتون من أفقها بالنضال تحت لافتة «الأمة» هم، في واقع الأمر، واقعون في المنطق نفسه الذي يعارضونه. فالدولة-الأمة، ككيان، لا تنبني إلا على أمة تمثلها، حقًا أم باطلًا، إذ إن المفاعيل الخطابية والأيديولوجية لها مُنشأة بالأساس وفقًا لهذه الأمة التي تمثلها.

ولذلك، فإن سؤال: هل الأمة هي التي أنشأت الدولة، أم الدولة هي التي أنشأت الأمة؟ يظل سؤالًا مهمًا في ضوء التشكيل المتبادل الذي يمارسه الاثنان على بعضهما البعض. فالدولة تخلقُ فهم الأمة لنفسها بشكلٍ جديد، كما أن الأيديولوجيا الحاكمة هي أيديولوجيا تعرّف نفسها، وإن لم تقم بذلك حقًا، عن طريق الأمة.

الأمة، حداثيًا وفي ضوء الدولة الحديثة، هي الكيان العددي الأكبر والثقافي والديني واللغوي الذي تمثله الدولة.

وأيضًا، لقد تغيرت «الأمة الإسلامية» حديثًا ليس فحسب بفعل الكولونيالية الغربية في المنطقة التي أتاحت مجالًا جديدًا للعلاقات البين دينية بين الطوائف منذ تدخلها لـ«إنقاذ المسيحيين» في الإمبراطورية العثمانية، ثم تدخلها اللاحق في سورية ولبنان ومصر، وإنما أيضًا بفعل طبيعة الاجتماع السياسي الحديث وإجراءات الدولة-الأمة في المشرق بعد الاستقلال، ودخول ثنائية «أكثرية» و«أقلية» –بحيث إن الأكثرية تعبّر عن «الأمة»، سياسيًا، بله ودستوريًا، والأقلية تعبر عن جماعات دينية أو ثقافية أو لغوية ضمن حيز الدولة-الأمة التي تعاملهم باعتبارهم أقلية عددية حتى وإن أعطتهم استقلاليّة على مؤسّساتهم المِليّة أو على قوانين الأسرة الخاصّة بهم.

فالأمّة، حداثيًا وفي ضوء الدولة الحديثة، هي الكيان العددي الأكبر والثقافي والديني واللغوي الذي تمثله الدولة، بينما الأقلية غير ذلك. ولذلك كانت خطة الدولة-الأمة دائمًا تجاه الأقليات إما أن تطالبهم بالدمج في «الأمة» -الأكثرية؟- ومن ثم تفقد الأقلية ما يميزها لغويًا ودينيًا وثقافيًا، أو أن يكونوا أقلية ويعاملون على هذا الأساس.

وكما توضح «صبا محمود» في كتابها الجديد المتميز «الاختلاف الديني في عصر علماني: تقرير الأقلية» (٢٠١٦م)، فمنذ مؤتمر فرساي (١٩١٩م) والتبشير بنظام عالمي جديد مرتكز إلى الدولة-الأمة، والنظام السياسي الجديد لبنية هذه الدول يقوم على أساس منطقي جديد في العلاقة بين المحكومين والحاكمين خلافًا للذي كان في الإمبراطوريات المنحلة (والعثمانية منها)، حيث كانت الإمبراطوريات تتعامل مع الأقليات بحكم انتمائها المذهبي أو العرقي أو اللغوي، وسعت الدولة-الأمة إلى تمثيل «الشعب» الذي يوحده تاريخ وثقافة وإقليم مشترك، وبالتالي اختُرعت ثنائية الأكثرية والأقلية التي ستستخدمها كأداة دستورية لحل الاختلافات بناءً على أيديولوجية قوموية لإزاحتها واستبعادها. ومنذ تلك اللحظة في عام ١٩١٩م، أصبح القانون الدولي يستخدم مصطلح الأقلية للدلالة على هؤلاء الذين يمكنهم المطالبة بالانضمام إلى دولة قومية خلافًا لهؤلاء الذين لا يستطيعون، كالمهاجرين.

على إثر ذلك، إن المعجم السياسي للدولة الحديثة يقوم على ثنائية الأكثرية والأقلية كأمر تأسيسي لبنية هذه الدولة، ليس فحسب لممارسة تمييز ضد الأقلية، فليس هذا غرضي، وإنما قصدتُ إلى أن ذلك مكون تأسيسي لا مناص عنه لها، وتستخدمه دستوريًّا وقانونيًا في الفصل بين الاختلافات الدينية وفي ضبط الحياة الدينية العمومية وفي كتابة المواد المتعلقة بالدين والنظام العام في دستورها القومي.

إن من يرفعون لافتة «أمة إسلامية» غير محددة واقعون في أزمة تتعلق بالتحديد السياسي لمفهوم الأمة

وقد رصدت محمود أيضًا كيف حصل التحول في الشرق الأوسط في الجماعات الدينية من كونها «طوائف» إلى كونها «أقليات» والمستتبعات السياسية والقانونية والدستورية التي رافقت هذه العملية التحويلية كما تسميها.

ولا أريد أن أشير إلى النقاش الموسع التي أقامته حنة أرندت في كتابها «أسس التوتاليتارية» (١٩٥١م) حول الدولة-الأمة وإنتاج اللاجئين، خاصة هؤلاء الذين هم غير مؤهلين لأن يكونوا «أقلية قومية» حتى يحصلوا على الحقوق التي، بنظر أرندت، لا معنى لها خارج الدولة-الأمة؛ هؤلاء الذين أسمتهم أرندت بعبارة رشيقة «الذين ليس لهم الحق في الحقوق».

خلاصة القول، ما أود قوله من هذا الاستطراد هو إلفات النظر إلى أن منطق الدولة الحديثة يقوم على ثنائية الأكثرية/الأقلية بحيث تمثل الأكثرية الأمة، والأقلية ما هي إلا مجموعات دينية وعرقية ولغوية ضمن هذا المجموع الأصلي الناجز الذي هو الأمة. وبالتالي، إن من يرفعون لافتة «أمة إسلامية» غير محددة واقعون في أزمة تتعلق بالتحديد السياسي لمفهوم الأمة (والذي ربما يجر إلى نزاع طائفي)، خاصة في الدول العربية ما بعد الكولونيالية التي تستخدم وجهين، علماني وديني، في معالجة المسائل الدينية فيما يخص الأكثرية والأقلية.

إن هذا الالتباس، أو اللاتحديد، هو بالضبط ما أجلاه، في سياق آخر، كتاب «الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي» (٢٠١٤م) لوائل حلاق، حيث أشار حلاق إلى طبيعة الاختلاف بين الميتافيزيقا السياسية الحديثة والميتافيزيقا الحاكمة القديمة، الأمر الذي يغفله الإسلاميون (التوفيقيون) في الشرط الحديث؛ حيث يتعاملون مع مفاهيم كـ«الأمة» بمضامين لا وجود لها في سياق الدولة الحديثة، ويناضلون على أرضيات قد تستغلها الدولة في صالحها، على عكس ما يظنون.

ولا يتعلق الأمر (بالنسبة إلي وما أعبّر عنه، وراجعْ دراستي عن كتاب حلاق ههنا) برفض الدولة الحديثة بتاتًا، بل بإدراك الميتافيزيقا السياسية المُحركة لها، وبإنشاء مضامين فعلية للافتات التي تُرفع في وجهها.

وبالأخير، من يدافعون عن «الأمة الإسلامية»، هل يدافعون عن الأكثرية في واقع الأمر، أم عن كيان تاريخي يمثل قيمًا كبرى مسمى بهذا الاسم؟، وإذا استخدمنا خطابًا أمّتيًا ذا نوستالجيا معينة تجاه هذا الكيان، ألا يَفترض ذلك إغفالًا للشرط التاريخي-الاجتماعي الذي نحيا بفعل أي كان؟ وإذا كانت المعركة سياسية بالأساس، ألا يتطلب هذا تحديدًا، وهل بإمكاننا التحديد في ضوء كل هذا الوضع التاريخي الكبير الذي يمر به العرب والمسلمون (الذين لا يمكن أن يكونوا متجانسين بحال) حيال استعمار الخارج والداخل؟