سيروا على الدرب المخضب والثموا أثر الجدود *** حرية الإنسان تشري بالدم لا بالوعود

هكذا هتف الشاعر عبد الكريم الكرمي، الملقب بـ «أبو سلمى» في جموع الفلسطينيين، مستنهضًا فيهم الروح الثورية قبل ما يزيد عن الثمانين عامًا، لتردد أصداء تلك الكلمات على ألسنة المقاتلين وجماهير الشعب، فيخرج في واحدة من أعتى الثورات زخمًا والأطول عمرًا في مسيرة النضال الفلسطيني.

إنها ثورة فلسطين الكبرى، هي الثورة التي شهدتها فلسطين في السنوات ما بين 1936 و1939، لتمثل ذروة المقاومة الفلسطينية للانتداب البريطاني على مدى خمسة عشر عامًا، حيث وقعت معارك ضارية وعنيفة بين مقاتلي الثورة والجيش البريطاني والمنظمات اليهودية، فصارت واحدة من أعظم الثورات في تاريخ فلسطين خلال القرن العشرين، وقد عبرت عن روح التضحية والإصرار على الحقوق التي تميز بها أبناء فلسطين.


أولى شرارات الثورة

مارس/آذار 1936

رفض مجلس العموم البريطاني مطلب العرب بوقف الهجرة اليهودية المتزايدة، حيث وصلت إلى نحو 40 ألف مهاجر، واستمرت الهجرة السرية إلى فلسطين مع تغاضي الحكومة البريطانية عنها والتستر عليها وحمايتها.

15 أبريل/نيسان 1936

تفجرت الشرارة الأولى للثورة الكبرى في فلسطين، عندما قامت مجموعة مسلحة بقتل اثنين من اليهود وجرح ثالث بالقرب من عنبتا بين طولكرم ونابلس، رد اليهود باغتيال اثنين من العرب في اليوم التالي، ثم حدثت صدامات واسعة بين العرب واليهود في منطقتي تل أبيب ويافا.

19 أبريل/نيسان 1936

ساد البلاد جو شديد من التوتر، وعلى إثرها فرضت الحكومة البريطانية حظر التجول في يافا وتل أبيب وأعلنت حالة الطوارئ في البلاد، فيما اجتمع قادة المنظمات العسكرية السرية في فلسطين في القدس، وقرروا جمع صفوفهم في جيش واحد، أطلقوا عليه اسم «جيش الجهاد المقدس»، وعهدوا بقيادته إلى القائد عبد القادر الحسيني.


الإضراب العام وإعلان الثورة (المرحلة الأولى)

20 أبريل/نيسان 1936

انطلقت الثورة التي قادها عدد من رموز النضال الفلسطيني، أبرزهم: عبد الرحيم الحاج محمد وحسن سلامة، بإعلان الاضراب العام الكبير، والذي استمر ستة أشهر. كما بادر زعماء المدن والقرى إلى إنشاء اللجان القومية، وضمت هذه اللجان ممثلين عن جميع الأحزاب والطوائف والفئات.

وكانت البداية من يافا، ومنها امتدت التظاهرات والاشتباكات إلى نابلس فالقدس، ثم انتشرت في أنحاء البلاد، ولقي الإضراب استجابة واسعة، وتشكلت لجان قومية في أنحاء فلسطين لتأمين الإضراب وإنجاحه، وتجاوبت الأحزاب العربية الفلسطينية مع الإضراب وأيدته.

25 أبريل/نيسان 1936

كان على القيادة الفلسطينية أن تتوحد، لذا سارعت اللجان القومية إلى عقد مؤتمر عام لها في حي المصرارة في القدس، والذي خرج بتشكيل «اللجنة العربية العليا»، برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني، وأمانة سر عوني عبد الهادي وعضوية سائر قادة الأحزاب الفلسطينية، والتي قررت الاستمرار في الإضراب، وأكدت على مطالب الشعب الفلسطيني، من إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، بالإضافة إلى إنشاء حكومة وطنية مسئولة أمام مجلس نيابي.

من جانبها، رفضت بريطانيا على الرغم من اشتداد الإضراب طلب اللجنة العربية العليا بوقف الهجرة اليهودية لفلسطين، وقامت بتحديهم بإصدار شهادة هجرة جديدة قدمتها للوكالة اليهودية لإحضار أعداد كبيرة من المهاجرين إلى فلسطين.

وردًا على هذا التحدي قرر القادة الفلسطينيون إعلان الثورة المسلحة، بتأسيس «جيش الجهاد المقدس» بقيادة عبد القادر الحسيني، وشرع المجاهدون يهاجمون ثكنات الجيش والشرطة والمستعمرات اليهودية، ويدمرون طرق المواصلات ويهاجمون قوافل الأعداء وتجمعاتهم.

15 مايو/أيار 1936

اعتبارًا من هذا اليوم، تبنى الفلسطينيون سياسة «العصيان المدني» بتنفيذ الامتناع عن دفع الضرائب، وهو ما قد زاد من حدة الإضراب الذي أصيبت فيه مظاهر العمل والنشاط التجاري والصناعي والتعليمي والزراعي والمواصلات في جميع المدن والقرى بالشلل التام.

كما ألغت الحكومة البريطانية رسميًا دعوتها الوفد العربي إلى المفاوضات في لندن، وأصدرت بيانًا جاء فيه: “إن الوفد العربي المقترح لم يعد ملائمًا لتداعيات الأحداث الأخيرة”.

يونيو/حزيران 1936

في الشهر الثالث للإضراب، طرأ تطوُّر نوعي في الميدان؛ تحولت على إثرها الثورة إلى معارك مكشوفة مع القوات البريطانية في شتى أنحاء فلسطين، وذلك بدخول فوزي القاوقجي وقواته إلى منطقة المثلث، وتدفق المتطوعون من الأردن وسوريا ولبنان وانضمامهم إلى الثورة.

وأخذت المجموعات السرية داخل المدن تغتال الموظفين البريطانيين وضباط الجيش والشرطة والجواسيس وتلقي المتفجرات على الدوائر الحكومية، وحقق الثوار انتصارات في العديد من المعارك وأصبحت هذه الهجمات ظاهرة مألوفة في «مثلث الرعب» كما سماه الجنود البريطانيون، إشارة إلى المنطقة الواقعة بين نابلس وجنين وطولكرم.

في المقابل اتخذت حكومة الانتداب تدابير عسكرية لقمع الثورة وفرضت الغرامات المادية الثقيلة والعقوبات الجماعية والإعدامات، واعتقلت الكثيرين وقامت بتخريب الممتلكات ونسف البيوت وهدم الحي القديم في مدينة يافا.

يوليو/تموز 1936

أجبرت أعمال المقاومة المتزايدة الحكومة البريطانية على الاتصال ببعض القادة العرب لإيقاف الاضراب، فيما رحب الحاج أمين الحسيني باعتباره رئيسًا للجنة العربية العليا، بوساطة ملوك العرب وأمرائهم.

أغسطس/آب 1936

بعد المعارك المتعددة التي جرت أثناء الأيام المئة الأولى من الإضراب، أسندت الحكومة البريطانية القيادة العليا في قواتها في فلسطين إلى الجنرال «ديل» رئيس حرب أركان جيوش الامبراطورية البريطانية، والذي استدعى تعزيزات عسكرية من بريطانيا ومصر ومالطا، حيث بلغ عدد القوات البريطانية في النصف الأول من شهر أغسطس/آب 70 ألف جندي، بالإضافة إلى نحو أربعين ألفًا من قوات الشرطة النظامية والإضافية وقوة حدود شرق الأردن وحرس المستعمرات اليهودية وقوات «الهاجاناه» والمنظمات السرية الصهيونية.

وعندما شعرت بريطانيا بعجزها عن وقف الثورة وإنهاء الإضراب بالطرق العسكرية، لجأت إلى أساليب مراوغة، عبر إيفاد لجنة ملكية للتحقيق في قضية فلسطين وشكاوى الناس، ووضع التوصيات لحل القضية، بالإضافة لاعتمادها على الوساطات العربية لإنهاء الأزمة، فتدخل نور السعيد من العراق وكذلك سعى الأمير عبد الله والأمير سعود، وتجددت الاتصالات بين القيادات العربية والقيادات العليا ولكن دون جدوى.

12 أكتوبر/تشرين الأول 1936

بعد الوساطة المتتالية من الملوك والأمراء العرب، جرى الإعلان عن وقف الإضراب لتتوقف المرحلة الأولى من الثورة الفلسطينية، إثر نداء وجهه زعماء السعودية والعراق وشرق الأردن واليمن لأهل فلسطين بـ «الإخلاد إلى السكينة حقنًا للدماء، معتمدين على حسن نوايا الحكومة البريطانية».

إلا أن المندوب السامي البريطاني حظر عمل الهيئة العربية العليا، واعتقل قادتها البارزين ونفاهم إلى جزر سيشيل، بينما تمكن مفتي القدس من الهرب إلى لبنان حيث واصل إدارة الثورة.

وكان الحساب الرسمي للخسائر من جراء ثورة 1936 حتى تاريخ توقفها في 375 قتيلاً و3113 جريحًا، غير أن تقدير اللجنة الملكية البريطانية كان 1000 قتيل.


انتقال القيادة الثورية إلى الخارج (المرحلة الثانية)

يناير/كانون الثاني 1937

أوصت اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق: منطقة عربية، ومنطقة بريطانية وهي القدس، ومنطقة يهودية. وتم رفض هذا المشروع من قبل المنظمات الصهيونية والقيادة الفلسطينية، وأعلنت الأخيرة بيانًا تدعو فيه الشعب إلى التمسك بالمطالب الوطنية ومقاومة التقسيم.

يوليو/تموز 1937

قام أمين الحسيني بالفرار إلى لبنان، واستطاع أن ينشر بيانًا في الصحف العربية أكد فيه رفضه لمشروع التقسيم وتمسكه بمطالب الشعب المعروفة، ودعا إلى مقاومة السياسة البريطانية ومحاربة مشروع التقسيم حتى القضاء عليه، وبذلك استؤنفت الثورة، ووقعت معارك ضخمة استطاع خلالها الفلسطينيون السيطرة على بعض المدن ورفع العلم الفلسطيني فيها منها: الخليل، بيت لحم، الفالوجة، القدس القديمة، عكا، بيت ساحور، المجدل، ومدينة بئر السبع.

18 سبتمبر/أيلول 1937

توّجت محاولة اللجنة العربية العليا لحشد الرأي العام العربي ضد التقسيم في عقد مؤتمر «بلودان» في دمشق، حضره أكثر من 400 سياسي من فلسطين وسوريا ولبنان والعراق ومصر، وأكد المشاركون في المؤتمر أن فلسطين جزء من الوطن العربي، وأن للعرب الحق في الدفاع عنها لأن الفلسطينيين لا يمكنهم أن ينفردوا بحمل عبء المقاومة، وأن الدولة اليهودية تعد تهديدًا خطيرًا للعالم العربي وطالبوا بإلغاء الانتداب، ووقف الهجرة اليهودية وبيع الأراضي لليهود.

سبتمبر/أيلول 1938

بلغت فعاليات الثورة في القدس ذروتها حين تمكن الثوار الفلسطينيون من تحرير البلدة القديمة في القدس من سيطرة قوات الاحتلال البريطاني، واستمرت البلدة محررة لأكثر من أسبوع رغم قيام الطائرات البريطانية بإلقاء منشورات على القدس وضواحيها، موقعة من القائد العسكري البريطاني لمنطقة القدس، ويدعو فيها جميع السكان في البلدة القديمة إلى إلقاء السلاح والتزام منازلهم، ولكن البريطانيين الذين اقتحموا البلدة بعد ذلك اضطروا إلى الخروج منها مجددًا لثلاثة أيام، قبل أن يقوموا بشن هجوم كبير عليها ومعاودة احتلالها.

أكتوبر/تشرين الأول 1938

وصلت الحملة المؤيدة لفلسطين في الأقطار العربية أوجها، بعقد المؤتمر البرلماني العربي والمؤتمر النسائي في القاهرة، وأعلن المؤتمران تأييدهما لعرب فلسطين في مطالبهم الأساسية واستنكارهما للتقسيم.


خطوات متخبطة نحو نهاية بائسة (المرحلة الأخيرة)

مارس/آذار 1939

اُغتيل القائد العام عبد الرحيم الحاج، والذي ترافق مع انخفاض معدل المعارك الفلسطينية ضد الاحتلال، حيث أفلت زمام المبادرة من الثوار وانتقل إلى أيدي القوات البريطانية التي تحولت مع المنظمات الصهيونية إلى موقع الهجوم، فقامت بنزع سلاح الثوار الذين اهتزت تنظيماتهم، وافتقروا إلى القيادة العسكرية والسياسية الفعالة القادرة على تحدي تفوق الخصم.

18 مايو/أيار 1939

أصدرت بريطانيا كتاب «مكدونالد» الأبيض، ينفي أية نية لإنشاء دولة يهودية، ويرفض المطالب العربية بأن تصبح فلسطين مستقلة كدولة عربية، وينص على إنهاء الانتداب في عام 1949 باستقلال فلسطين، على أن يشترك في حكمها كل من الفلسطينيين واليهود، وعلى أن تنتهي الهجرة بعد السماح بدخول 75 ألف مهاجر جديد خلال الخمس سنوات الأولى، على أن تنظم الحكومة انتقال الأراضي تنظيمًا صارمًا.

نوفمبر/تشرين الثاني 1939

عقد في لندن مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة حلول بديلة دعت إليه الحكومة البريطانية ممثلين للفلسطينيين واليهود، واشتركت جميع الدول العربية المستقلة: مصر، العراق، المملكة العربية السعودية، شرق الأردن واليمن.

رفض الجانب اليهودي المقترحات البريطانية للتوصل إلى اتفاق، ووافقت بريطانيا على تنقيح هذه الاقتراحات بما يتوافق مع الرغبة اليهودية إلا أن الجانب اليهودي رفض هذه الاقتراحات بعدما كان في السابق قد رفضها الجانب العربي.

ولكن سرعان ما احتل هتلر بولندا، ومن قبلها النمسا، مما دفع بريطانيا وفرنسا إلى إعلان الحرب على دول المحور، وبلغت أصداء الحرب العالمية الثانية فلسطين حيث تحولت إلى قاعدة للقوات البريطانية ومعسكراتها ومخازنها، فكان ذلك السبب المباشر في إرغام المقاتلين على إسدال الستار في المشهد الأخير للثورة الفلسطينية الكبرى.

المراجع
  1. "1936-1939 ميلادي: ما هي أهم الاحداث؟"، فلسطين سؤال وجواب.
  2. مصطفى السواني، "الذكرى الثمانون للثورة الفلسطينية الكبرى: الأطول عمرًا في تاريخ فلسطين"، الشروق، 15 إبريل 2012.
  3. "ثورة 1936"، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني (وفا).
  4. "ثورة فلسطين 1936"، صحيفة الوطن الفلسطينية، 1 فبراير 2016.
  5. "في ذكرى ثورة 36: التدخل العربي ساعد في قيام دولة الاحتلال"، وطن للأنباء، 20 إبريل 2016.
  6. تميم منصور، "فلسطين: صفحات مطوية من ثورة 1936"، صوت العروبة، 22 إبريل 2015.
  7. ناهض منير، "ثورة الستة وثلاثين 1936 – 1939"، المركز الفلسطيني للإعلام، 21 يونيو 2007.