ربما يحمل الخامس من يونيو/حزيران ما لا يحب المصريون تذكره بكل تفاصيله؛ إنها «ذكرى النكسة»، شئنا أم أبينا تلك التسمية، أو حاولنا حتى تناسيها؛ على أن ما تضمنته تلك الذكرى من دروسٍ لا يمكننا إهمالها، أو إنكارها؛ تلك الدروس التي تؤكد أيضًا أن الإبداع يُولد دومًا من رحم الانفعال؛ سواءً أكان بالسلب أم بالإيجاب؛ بالسعادة أم الألم؛ وبكل ما يؤثر في نفس الشاعر المبدِع.

لقد احتفظت لنا ذاكرة الأدب بموقف شعراء العصر آنذاك، ونقلت لنا في صدقٍ كيف حرك الألم والغضب والإحساس بغصة الهزيمة وجدان هؤلاء الشعراء؛ فنـَزَفَ كلُّ شاعر منهم إبداعًا مرًا، على طريقته الخاصة في التعبير عن الألم والغضب والحسرة إثر تلك الهزيمة.


«نزار» والكتابة على هوامش دفتر النكسة

لم تكن قصيدة «نزار قباني» (هوامش على دفتر النكسة) مجرد قصيدة من قصائد المناسبات، التي يتكلفها الشعراء؛ ليسجلوا حضورهم في مناسبة ما، بل كانت تعبيرًا صادقًا عما يحسه صاحبها بالخيبة والحسرة والغضب بعد أن تعوّد محبّوه رؤيته عاشقًا هائمًا قبل ذلك، فكأنه يبرر لهم قائلًا:

حولتني بلحظةٍ من شاعر يكتب الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين لأن ما نحسه أكبر من أوراقنا لا بد أن نخجل من أشعارنا

لقد كانت تلك القصيدة – كما يُروى- سببًا في منع «نزار قباني» من دخول مصر آنذاك؛ فهل كان تخليه عن غزله، أو خوضه في ذكر الهزيمة سببًا كافيًا لذلك؟! إن شعور «نزار» بالمرارة والغضب لم يتوقف عند تلك الكلمات؛ بل هاجم، وبرر تلك الهزيمة المؤلمة في تهكم أشد إيلامًا من الهزيمة ذاتها:

إذا خسرنا الحرب لا غرابةْ لأننا ندخلها.. بمنطق الطبلة والربابة السر في مأساتنا صراخنا أضخم من أصواتنا وسيفنا أطول من قاماتنا

لقد عبر «نزار» عن إحساسه بالمرارة بلا مواراة أو تورية أو ترميز، لقد اكتفى عن الرموز كلها بعدم تسمية الحاكم باسمه، فناداه بالسلطان، ربما اشتقاقًا من السلطة وربما من التسلط:

يا سيّدي السلطانْ لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ لأنَّ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ ما قيمةُ الشعبِ الذي ليسَ لهُ لسانْ؟ لأنَّ نصفَ شعبنا.. محاصرٌ كالنملِ والجرذانْ.. في داخلِ الجدرانْ.. لو أحدٌ يمنحُني الأمانْ من عسكرِ السلطانْ.. قُلتُ لهُ: لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ.. لأنكَ انفصلتَ عن قضيةِ الإنسانْ..

ومن أجل قضية الإنسان عقد «نزار» في ختام قصيدته آماله بأطفال العرب من المحيط إلى الخليج؛ مؤكدًا يأسه من تغير الواقع في المستقبل القريب، فحملت قصيدته في النهاية قدرًا من التفاؤل بالمستقبل النابع من اليأس في الحاضر المر.


«الفاجومي» والتعبير عن الغضب الساخر

شاعر غاضب آخر لا يعرف كيف يزين عبارات الغضب الساخرة من كل المتسببين بالنكسة، ولقد قربت العامية سخريته وتهكمه من الناس، وزاد قربه تغني «الشيخ إمام» به كعادته مع أغلب قصائد «أحمد فؤاد نجم».

لقد كانت عبارة (إيه يعني؟!) أكثر العبارات سخرية وإيلامًا – وبخاصة – في نفوس المبررين لكل سوءات الأنظمة، ولقد تعمد «الفاجومي» تكرارها وبناء قصيدتها العامية الساخرة في أغلبها على تلك العبارة، فكأنه يبرر بطريقة تثير الضحك والسخرية، كل ما يحيط بالهزيمة من واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي مرير:

ايه يعني لما يموت مليون أو كل الكون ايه يعني في العقبة جرينا ولا فِ سينا هي الهزيمة تنسينا إننا أحرار ايه يعني شعب فِ ليل ذلة ضايع كله

إلى آخر التساؤلات الساخرة، التي جلد بها كل مسئول عن النكسة، حتى عبارة «الحمد لله»التي افتتح بها وكررها، لم تكن إلا سخرية مما جرى من تراجع وانسحاب.

وعلى عكس ما فعل «نزار»؛ فإنه قد تعمد التعريض بالحاكم في نهاية القصيدة الساخرة، في قوله: «وإن شا الله يخربها مداين .. عبد الجبار»، في إشارة صريحة لـ«عبد الناصر»، الذي عاقبه على ذلك التعريض فقط – كما يُروى – بإلقائه في غياهب السجون.


«أمل دنقل» و«البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»

تنقل هذه القصيدة لنا حالة أخرى من حالات الرفض، ولكن «أمل دنقل» قد أعطى كل ما حوله ومَن حوله رموزًا معبرة، بدءًا من شخصية زرقاء اليمامة الأسطورية؛ التي طالما أنقذت قومها بحدة بصرها، ونفاذ بصيرتها؛ والتي أنهت حياتها أيضًا وحيدة عمياء، بعد أن كذّبها قومها، وشككوا في بصرها وبصيرتها، وهنا يسائلها الجندي العائد من الحرب؛ أو لنقل من النكسة؛ يسائلها في حسرة ويأس وتضرع:

أيتها العرافة المقدَّسةْ .. جئتُ إليك .. مثخنًا بالطعنات والدماءْ أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ. أسأل يا زرقاءْ .. عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكًا بالراية المنكَّسة عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء

وما يزال يسائلها، ويسائلها، عن الوعود بالنصر، ويشكو لها الذل والاستعباد والتهميش، الذي لا بد أنه قد كان أول عوامل الهزيمة، لقد شكا كل ما يكابده من ظروف أفضت إليها:

ظللتُ في عبيد (عبسِ) أحرس القطعان أجتزُّ صوفَها .. أردُّ نوقها .. أنام في حظائر النسيان طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة.

لقد كانت المفارقة الأكثر مرارة في إلباسه الراوي شخصية «عنترة بن شداد» بكل أبعادها وتفاصيل قصتها، تنطق بما ينطق به «عنترة»:

وها أنا في ساعة الطعانْ ساعةَ أن تخاذل الكماةُ.. والرماةُ.. والفرسانْ دُعيت للميدان! أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن.. أنا الذي لا حولَ لي أو شأن.. أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان أدعى إلى الموت.. ولم أدع إلى المجالَسة!! تكلمي أيتها النبية المقدسة

ولكنه لم يعرف النصر هذه المرة، فقد ولى زمن البطولات العنترية، ولقد تذوق «عنترة» طعم الهزيمة المُرة.

ربما عبر «أمل دنقل» في قصيدته عما عبر عنه «نزار» و«الفاجومي»، وبخاصة مسببات النكسة، وما سبقها من أحوال اجتماعية سيئة، ولكن «أمل» قد أكسب قصيدته رمزًا أسطوريًا، أبعده عن بطش مَن قَصَدهم بتلك التلميحات.


«الأبنودي» والرمزية المتفائلة:

لقد استخدم «عبد الرحمن الأبنودي» في قصيدته المغناة «عدى النهار»رموزًا أبسط، وأكثر قربًا من رموز «أمل دنقل» ذات البعد التاريخي؛ الذي يميل للأسطورة؛ فرموز «الأبنودي» لم تتعدَ اعتبار مصر فتاة تهوى النهار، بما يمثله من تفاؤل وأمل في مستقبلٍ مشرقٍ، ذلك النهار الذي يصوره «الأبنودي» بشاب يتقدم لخطبتها، ولكنه يعجز عن مهرها، ويأتي التساؤل الأهم الذي يطرحه الشاعر:

يا هل ترى الليل الحزين أبو النجوم الدبلانين أبو الغناوي المجروحين يقدر ينسيها الصباح.. أبو شمس بترش الحنين؟!

هل ستستسلم مصر للظلام والانكسار والهزيمة؟ وهل ستتخلى عن النهار والأمل في المستقبل بمجرد تعرضها لعقبة عارضة وكبوة عابرة، مهما طالت مدتها، أو عظُم أثرها؟! بالطبع لن تفعل مصر كما يرى «الأبنودي» كل ذلك؛ فهو متفائل دومًا بقدرتها على النهوض، وبحبها لنهار الأمل والحرية.

إن التفاؤل هنا في تلك القصيدة ينبع من تصميم الشاعر بالنيابة عن كل مصري على التمسك بالنهار؛ الذي يمثل الأمل والحياة؛ فلا مفر من رجوع مصر إلى ذلك النهار؛ فكل الدروب تأخذها إليه، مهما طالت ظلمة الليل، وهذا ما حدث بكل تأكيد، ولم يعد الخامس من يونيو/حزيران إلا ذكرى نستعيد فيها درسًا تعلمناه، واستفدنا منه حتى في الأدب.