حين النظر في النواحي القانونيّة والسياسيّة لهذا الجدل، وتعلّقها بالصراع على مصادرهما ومؤسّساتهما «القديمة الممثلّة في الدولة السوريّة»؛ لمْ يكنْ جدل الشرعيّة والمشروعيّة مركزيًّا في الحالة السوريّة، إذا ما قورن بحالات أخرى، ولئن كان هذا الجدل يتعلق أساسًا بضبابيّة هذه المفاهيم ونسبيّتها، لا سيما في حالات الثورات والتحوّل أو الانتقال، فإنّه في الحالة السوريّة يفتقر النظام كليًّا إلى الشرعيّة والمشروعيّة، مع تداخل ذلك صميميًّا بالمسألة الطائفيّة، لكن الأكثر أهميّة وحسمًا هو جنوح النظام بسرعة إلى درجةٍ من العنف لا يكون معها استخدام هذه المفاهيم مستساغًا أساسًا.

لقد قلتُ أعلاه، حتى لو اعتبرنا استخدام العنف «المشروع» المقوّم الأبرز للدولة، فقد بلغ عنف الأسد حدًّا صار فيه غير مفيدٍ للسلطة كماهيّة، وفاقدًا لموضوعه في مفهمة قيام الدولة، فكيف نتحدّث عن المشروعيّة، وعن الشرعيّة!. من هنا، فإنّ العامل الأساسيّ البدئيّ لمشروعيّة وشرعيّة المقاومة العنفيّة، هو لا شرعيّة ولا مشروعيّة النظام، وفقدانه لأهليّته ولإنسانيّته، ولقدر كبير من سلطته وسلطاته بسبب الثورة؛ مع احتياجه إلى قدر هائل ووحشيّ من العنف اللامقبول واللاشرعيّ لفرض قدر ضيّق وضئيل من السلطة.

لكنّ الاعتماد، فقط، على لا شرعيّة ولا مشروعية النظام كعامل أساسيّ، وعدم العمل على ترسيخ وصيانة مؤهلّات المشروعيّة البدئيّة، الرضا والقبول الشعبيّ بمبدأ الحماية والمقاومة، عبر إرساء أسس الشرعيّة البنيويّة والمؤسساتيّة، والتوافق على قيادة وقادة، سيشكل حسمًا معتبرًا منهما، أو تقسّمهما، دون أن يكسب النظام بالضرورة؛ أي على حساب فراغ يُتنظر أن يُملأ، لا سيما وذلك محايثٌ لحالة التنازع والتنافس والتشظيّ، أو إنّه كان أساسًا إحدى العوامل المولّدة للانقسام.

لن أقول أنّ المقاومة السوريّة العنفيّة والمسلّحة فقدت الشرعيّة؛ خطأ، سأقول: إنّه ومن طبيعة نشأتها، حيث الشرعية فيها صاعدة من القواعد، تحتاج المقاومة جهدًا مضاعفًا لتأطيرها، ومع نيلها الشرعيّة والمشروعيّة الأولى من الثورة، بعنوان الجيش الحرّ، فإنّ ما حدث لاحقًا من مغادرة هذا النسق سيطلق «العوامل المولّدة للانقسام»، لأنّ فاعلين ناهضين، أو قادمين وهم قلّة نسبيًّا، لن يغزلوا في هذا النسق الأوّل، وهذا يعني التنازع على المصادر والموارد الماديّة والبشريّة، وعلى مصادر الشرعيّة أيضًا.

وهذا سيؤدّي إلى العجز والتأخر عن تمثيل هذه الشرعيّة في مؤسسات حاضنة، وإرساء شرعيّة بنيويّة تفرض سلطة ما، وتدير مناطق واسعة، وتكسب رضا فئات أوسع، وتنتزع اعتراف أطراف داخليّة وخارجيّة. لتكون حالة المقاومة السوريّة بامتياز الحالة الأكثر تشطيًّا من حيث البنى و الأطر، والأكثر تعنيدًا على التجمع والاصطفاف.


(11)

خلال عام 2011 نفّذ نظام الأسد 14 عمليّة أمنيّة كبرى ما بين عملية «تطهير» وعمليّة «تطويق وتفتيش»، مرتكبًا 18 مذبحة (فوق 20 نسمة في موقع واحد وزمن واحد)، وقتل بالمجمل 6000 نسمة. وحتى أعلن المقدّم الهرموش يونيو/حزيران 2011 انشقاقه وتشكيله؛ كان النظام قد قتل 1925 نسمةً، منهم 71 طفلًا، واعتقل أضعاف، وهذا الموثّق، وتختلف التقديرات فيما يخصّ الاختفاء القسري والتنكيل الميدانيّ من اغتصاب وضرب.

مشهد المظاهرات المحتفلة بانشقاق العساكر، وشعور الناس في المناطق التي تعرضت للحملات الأمنيّة الأكثر توحشًّا، لا سيما التي تعرضّت لمذابح بشعة؛ شعورهم بحاجتهم الماسّة للحماية، وغلبة انطباعات مبالغ فيها عن قرب انهيار النظام عند فئة، كانت علامات على مشروعيّة أعمال المقاومة العنفيّة، وهذا ما يؤكدّه كثيرون؛ بأنّ الناس رحبوا علنًا وهللوا لـ «الجيش الحرّ»، وفي حقيقة الأمرّ، ليس هذا مصروفًا إلى تنظيم أو تشكيل، الناس كانوا، وبكل بساطة، يتفاخرون ويرحبون ببطولات أبنائهم وأصدقائهم وأقربائهم ومعارفهم، وأبناء الحيّ أو أبناء البلد، وببطولاتهم هم انفسهم، وكان هذا مشفوعًا في الحالات التي نجحت فيها المجموعات الأولى مهما صغرت، ولو مؤقتًّا، في حماية المناطق «العارية» أمام آلة النظام القتّالة؛ حيث ساد شعورٌ بين أهلها مفاده الموّدة والألفة تجاه هذا الاسم، الجيش الحرّ، كعنوان لفارس يحضر عند الطلب، وفي مدن وبلدات كثيرة من مناطق الثورة كان لمشاركة شباب الجيش الحرّ في نشاطات الناس ومظاهراتهم، وتعاملهم الوديّ معهم على الحواجز، كان له أثر المقارنة مع ما يعرفونه عن رجال الأمن والجيش الذين وجهّوا الرصاص بكل برودة دم على متظاهرين عزّل مع ما يرافق ذلك من شعور بتغير منتظر منذ زمن طويل في الجوّ العام. وكذلك الكمائن والغارات التي استهدفت أرتال الأمن والجيش المتوجّهة إلى «فرائسها» قوبلت بحالة رضا لأنّ ناسًا شعروا بالانتصاف عبر الثأر من القاتل، القاتل الذي يقتلهم منذ عقود بصمت. أريد أنْ أقول إنّ هذا القبول والرضا ضمن الأوساط الثائرة واسعٌ عند البداية، وإذ نقرّ بوجود مؤيّدين للثورة أو ثائرين رفضوا المقاومة العنيفة، فيجب أنْ نكون حذرين هنا، ونميّز أعداء ورافضي وخصوم الثورة أساسًا الذين تقنّعوا برفض العنف.

ي أوساط المجتمعات المنتفضة إذًا،حازت المقاومة العنفيّة والمسلّحة ابتداءً على درجة كافية، برأيي، من القبول والرضا، وهذا فرعٌ منتظر على شرعيّة الثورة، وعلى لا شرعيّة نظام الأسد، واستمرّت مظاهر التأييد منصرفة للجيش الحرّ كلقب مهيمن تقريبًا للمقاومة حتى أوقات مختلفة بالنسبة للمناطق المختلفة من صيف 2012، وهذه الفترة التي بدأت تظهر المجموعات والجماعات والتشكيلات الإسلاميّة، أو ذات الخطابة والصبغة، وهذا عامل ضعيف الأثر في الحدّ من النظرة الإيجابيّة العامّة للمقاومة العنفيّة، كما أراه حينئذ، حيث نظر لهذه بأنّها جزء من المقاومة عمومًا لأنّها منبثقة هي الأخرى من الحالة والمجتمعات المنتفضة في ديناميّات الصراع على أصول لها علاقة وثيقة بطبيعة الحياة السياسيّة قبل الثورة. فشرعيّة المقاومة العنفيّة، من شرعيّة الثورة، وعنوانها العريض الأوّل كان الجيش الحرّ، ووفقًا لجون لينز في مقاربة الشرعيّة، فإنّ الجيش الحرّ، و«رغم الإخفاقات الجانبيّة»، هو، كنسق آخذ بالتشكّل، أفضل من غيره، نظرًا لتعدّد المصادر الرضائيّة، وشيوع التأييد له، وأسبقيّته.

وحتى تنظيم القاعدة «جبهة النصرة» تمّ التغطية عليه مع اختلاف في دافع التغطية والتأييد، بين قناعة بها، أو قبول براغماتيّ تعاقديّ انتقاليّ حيث نظام الأسد هو العدوّ القاتل الأكبر، أو لمحاولة اخفاء هذا الفاعل الذي كان النظام يضخمه قصدًا وجدًّا في خطابه المشرعن للقمع والقتل العام. وأحسبُ يبقى العامل الأقوى المؤثّر في بداية تبدّل مزاج فئة من الناس حيال ‌«الجيش الحرّ» هو قصوره النسبيّ اللاحق في توفير الحماية مع اختيار فئات من المقاومة للتحصّن في أحياء وبلدات ومدن ومناطق وخوض «معارك ضارية»، ومع استخدام نظام الأسد للأسلحة الثقيلة والقصف العشوائيّ ممّا أدى، في حالات متكررة، إلى خروج المجموعات المسلّحة من المنطقة، أو صمودها مع ما لحق بها من تدمير بسبب القصف الهمجـيّ العشوائيّ، وما رافق ذلك من نزوح واسع داخليّ وخسارة الناس لمساكنهم وأرزاقهم. هذا كان يصيب الناس بنوع مميّز من خيبة الأمل، الأمل العالي الغامر الناتج عن خلل في تقدير الواقع، والذي يرفع سقف التوقعّات من «الجيش الحرّ»، ويتوقّع نتائج سريعة مقارنة بحالات مشهودة على الهواء مباشرةً في مصر وتونس وليبيا؛ وهي خيبة أمل حميدة كما أسميّها.

خلال العام الأوّل، كانت تكتيكات خلايا المقاومة الأولى من «الجيش الحرّ» تتلّخص في الكمائن والغارات وضرب أرتال الأمن والجيش والتمترس على مداخل المناطق خلال وقت النشاطات المناهضة للنظام، وهذه بدأت يونيو/حزيران 2011 بشكل متفاوت على نحوٍ واضح، وبشكل متدرج وغير منسق ولا منظّم،ولم تحدث خلال العام الأوّل إلا أربع معارك ضارية «تمترس ومقاومة حتى النهاية»:أوّلها: ضمن سلسلة من المظاهرات والأحداث التي تفاقمت على إثر قتل متظاهرين وحملة تفتيش عن منشقّين، رافقتها مداهمات واعتقالات في قرى وبلدات في جبل الزاوية وجسر الشغور وريفها من محافظة إدلب، وقعت بين 3 إلى 28 يونيو/حزيران من عام 2011، ارتكبت قوّات الأسد مجزرة في أورم الجوز (شرقيّ جسر الشغور) وحلقت مروحيّات فوق جسر الشغور وقصفت وقتلت من الناس العزّل في مذبحة أخرى، مشيّعو الشهداء الغاضبين هاجموا مقرًّا للمخابرات وسيطروا على أسلحة، وحين وصلت قوّات مساندة من المخابرات والجيش انشقّ منهم من رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين والمحتجيّن، ونصب الثوّار كمينًا محكمًا لرتل من المخابرات راح ضحيّته عشرات منهم، وبعد هجوم بمئات المدرعات فرضت قوّات النظام سيطرتها على المدينة في الشهر ذاته، واجتاحت قرى وبلدات في جبل الزاوية لإخضاعها، وتعتبر هذه أوّل حالة مقاومة مسلّحة كبيرة.

وثانيها: في الرستن وانتهت 27 سبتمبر/أيلول 2011 بانسحاب بعد هجوم قوّات الأسد بنحو 250 مدرعة، وحيث وصفت المدينة بأنّها أول مدينة تخرج عن سلطة الأسد منذ اندلاع الانتفاضة.

وثالثها: في بابا عمرو (حمص) انسحبت كتيبة الفاروق «تكتيكيًّا» في مارس/آذار 2012 بعد أسابيع من القصف العشوائيّ بالمدفعيّة الثقيلة وتدمير أجزاء واسعة من الحيّ في عمليّة اعتبرت تصعيدًا جديدًا في عنف النظام على أحياء المدنيين بدون تمييز، وتطبيق سياسة الأرض المحروقة لاقتلاع هذ المعقل العنيد من معاقل الثورة والمقاومة.

ورابعها: في الزبداني، غرب دمشق، المدينة التي اعتبرت منذ ذلك الوقت ذات أهميّة خاصّة للحرس الثوريّ الإيرانيّ لما لها من موقع في عمليات إمداد حزب الله البنانيّ، انتهى الهجوم الأوّل بصمود مجموعات المقاومة المسلّحة وفرض اتفاق وقف إطلاق النار وانسحاب القوّة المهاجمة إلى الأطراف، ويعتبر هذا الحادث الأوّل في الثورة الذي يفرض به الثوّار شروطًا ويصدّون هجومًا واسعًا، قوبل ذلك بفرحة وترحيب ظاهرين بين الأهالي، عاودت قوّات الأسد لاحقًا وبعد أسابيع من القصف ودخلت المدينة في وقت من فبراير/شباط 2012، حيث انسحب مجموعات الثوّار إلى الجبال والوديان.


(12)

إنّ هذه المعارك الأربع ليست أحداثًا معزولةً، ولا أعمالًا هجوميّة في واقع الأمر، بل هي جزء من سلاسل من العمليّات التي كان يجريها النظام لقمع الثورة، وفي الأصل يهاجم النظام مناطق لإخضاعها ويتفاجأ بوجود منشقيّن أو ثوّار مسلّحين قرروا الدفاع، وخلال هذه الأحداث كانت المظاهرات والاحتجاجات مستمرة ضمن الزخم نفسه، وتؤكد على طابعها العام، وأنّ هذه المقاومة حقّ مشروع لحماية النفس، ما يهمّني هنا ليس تبرير العنف المقاوم ابتداءً، حتى ولو أخذ صفة الهجوم، فكما أوضحت في الجزء الثاني، ليس لدي أي اعتراض على هذا، وأراه طبيعة وعفويّة، وإنّما أريد من هذا السياق هذه النقطة الحرجة؛ وهي الجدل حول صوابيّة ومشروعيّة وشرعيّة طرائق المقاومة العنفيّة المتمثلّة في التمترس والصمود في مناطق آهلة منتفضة، وهذا الجدل سوف يرتبط عضويًّا على نحوٍ خاطئٍ، مقصود وغير مقصود، بـ «الجيش الحرّ»، لأنّ اسم الجيش الحرّ ببساطة ارتبط بطلائع العمل المقاوم العنفيّ، واستمرّ مهيمنًا كذلك 18 شهرًا وسطيًّا، أي حتى النصف الثاني من عام 2012، حيث ظهرت تشكيلات وتحالفات واضحةٌ عنوانيها «الإسلاميّة»، المحليّة السوريّة منها، والأهمّ بروز تنظيم القاعدة؛ ظهروا كفاعلين سياسيّن عسكريّن، وليس كجماعات مقاتلة.

لا نتخّذ القرار السليم، ولا نمارس التفكير الصحيح، إذا استسلمنا لنتائج الأخطاء كصيرورات، رغم ما في الوقت من متسّع، المسألة ليستْ شرعيّة مقابل أخرى، جلُّ الفصائل المسمّاة إسلاميّة لها شرعيّة ما، ومشروعيّة ما كمقاومة مسلّحة، بل هي قريبة من طبيعة الجيش الحرّ العامة من حيث كوادره ومجتمعاته، لكنّ ما حدث وما يحدث، مثّل حسمًا حين النظر للمحصّلة، وخلّق فراغًا ملأه لا-شرعيّون أقوى تنظيميًّا. وكان يمكن للجميع الغزْل في النسق الأوّل، ولا زال.

بالسؤال عن أولى المجموعات المسلّحة المقاومة التي لها لون إسلاميّ واضح، وليس أفرادها متديّنين فحسب، فإنّ الفارق الزمنيّ عن تشكيل الهرموش الضباط الأحرار يتراوح بين 6 أشهر وسنة، وهنا الكلام عن الظهور والاشتهار، وليس أولى النويّات على أساس ذي صلة، كما أنّ هذه المجموعات والجماعات لم تكن فاعلًا سياسيًّا، بمعنى لم يعرفها الناس على المستوى العام، ولم تحرص هي أنْ تتوجّه، وهذا عائدٌ لطبيعة عمل بعضها، أو لأنّ الجوّ العام لا يقبل، أو ربما لحرص بعضها على على عدم إحراج «الصبغة العامة للثورة»، أن تتوجّه بخطاب عام. ولا شكّ بالمقابل أنّ النظام، وحتى قبل أي ظهور لهؤلاء حرص على العمل بمسارين: دعاية مكثّفة لوصف المقاومة والثوّار عمومًا، بمن فيهم السلميّين من قادة العمل، وصفهم بالعصابات الخارجيّة والوهابيّة والسلفيّة، والمسار الثاني ارتكاب أفظع المجازر بحقّ مجتمعات الثورة، بالسكاكين، وتقصّد قتل الأطفال والنساء، والتنكيل والاغتصاب، ونشر مقاطع فيديو أو صور من قبله، أو انتشارها بفضل الناشطين وسعيهم لفضح طبيعة النظام، وهدفه استنفار الناس واستفزازهم، وقمعهم وتخويفهم.

تنظيم جبهة النصرة، مثلًا، حرص على العمل السريّ بداية، وكانت أولى العمليّات على هيئة استهداف مقرّات الأمن بالتفخيخ، ولم يعلن عن نفسه حتى آخر يناير/كانون الثاني من 2012، والأهم لم يظهر كفاعل سياسيّ عسكريّ، ويعرف بين الناس إلى ما بعد ذلك، وحين ظهوره الأوّل اختار مفردات عامة سائغة للمخاطبة، كما إنّ السوريّين من المناطق المنتفضة، حتى ممّن ليس لهم سابق «تجربة جهاديّة» هم مادة معتبرة في كوادره، أي أنّ فريقًا، وهو الأقل نسبيًّا حتى الآن، من الناس اختار هذا النمط والعنوان ليقاوم، وليس هنا محلّ تقييم هذا.

وبقيّة الفصائل الإسلامية، أو التي تسمّي نفسها، من التي أسّسها سوريّون، وارتكزت على بنى وأنساق اجتماعيّة سوريّة محليّة جذورها قديمة، بدأت تظهر محايثةً لديناميّات الصراع وتنسج علاقاتها بهدوء وبطء وصمت، وتعمل كذلك بعيدًا عن الأنظار نسبيًّا، أي أنّها لم تكن مهيمنة كعناوين مثل ما هو «الجيش الحرّ»، وهذه وإن تكوّنت أولى نويّاتها كذلك الأمر بعد فاصل زمنيّ مريح، وإنْ كان مؤسّسوها، أو بعضهم من سجناء إسلاميّين سابقين، إلّا أنّها متغايرة بين المناطق المختلفة وبشكل واضح، وبعض مؤسّسي تلك الكتائب الصغيرة، مجموعات شباب كانوا مجموعات منظمّة للمظاهرات، شباب متديّن، أو غالب كوادرها، أي ليس جميع من اختار عنوانًا إسلاميًّا ليقاوم، هو من مدرسة «صيدنايا» كما هو متخيّل، ولا هو سلفيّ جهاديّ قبلًا، ولا هو سلفيّ أساسًا، وعمومًا ليس بذي تحيّز أو تجربة سابقين لهما علاقة بالإسلام السياسيّ. المجتمعات السوريّة متديّنة بدرجات متفاوتة، وبعض فئات الشباب متديّن، وله توجّهات إسلاميّة، على أيّ حال يتفّق باحثون على أنّ أوّل ظهور وتجمع سياسيّ الطابع لحشد من الكتائب الإسلاميّة والمتديّنة المتغايرة كان هو الإعلان، في اسطنبول، عن جبهة ثوّار سوريا يونيو/حزيران 2012، أي بعد عام كامل من إعلان الضباط الأحرار، وبعد شهر من إعلان الهيكل الثالث لـ «الجيش الحرّ»؛ وهو القيادة العسكرية المشتركة للثورة السورية يوليو/تموز 2012.


(13)

فشرعيّة المقاومة العنفيّة، من شرعيّة الثورة، وعنوانها العريض الأوّل كان الجيش الحرّ، ووفقًا لجون لينز في مقاربة الشرعيّة، فإنّ الجيش الحرّ أفضل من غيره، نظرًا لتعدّد المصادر الرضائيّة، وشيوع التأييد له.
حاز الجيش الحرّ، بوصفه عنوان المقاومة المسلّحة العريض الأوّل المتغصّن عن الثورة وعن مجتمعاتها الشرعيّة والمشروعيّة، مع قدرٍ من الاعتراف.

ما تمّ إيراده في المقالين 11 و12، في شأن تكتيكات المقاومة المسلّحة وتطوّرها مقابل عنف النظام ودرجاته، على أنّه مختصر ومقتضب، وعطفًا على الجزأين الثاني والثالث، وفي شأن شيوع اسم «الجيش الحرّ» ومجموعاته وعنوانيه التنظيميّة البدئيّة بادئ ذي بدء، قبل ظهور الجماعات والمجموعات ذات الصبغة الإسلاميّة، أو الإسلاميّة الناهضة أو المستنهضة، أو التي رأسها وافدٌ أو خطابها، أو نسبة معتبرة من كوادرها، ظهورها كفاعل سياسيّ عسكريّ؛ أمورٌ بالغةُ الضرورة والحساسيّة حال مقاربة المقاومة المسلّحة، والشرعيّة والمشروعيّة الابتدائيّة والمؤسّسة، وتحرّي الحواضن الشعبيّة، ومعالجة النسق الذي يمكن البناء عليه، ليس لناحية تصوّر لون سياسيّ واحد للعمل المقاوم العنفيّ أو السلميّ، فهذا ممّا لا يتصوّر، ولكن لتفادي الانقسام، والتشظّي، المثير لصراعات، والمعوّق لحدوث إجماع معتبر يمّهد للبناء، والحالة الرثّة التعبانة ماثلة اليوم، في بنى وأوضاع العمل السياسيّ والعسكريّ.

صار الأمر إلى معالجة موضوع الشرعيّة، بالنسبة للفاعلين قبل المراقبين، كصراع فكريّ بحت، وهذه مغالطة محرّضة للانقسام وحائلة دون الانتظام؛ فالحقيقة أنّ جملة عوامل سيسيولوجيّة وسياسيّة واقتصاديّة كانت تتحرك كتلةً واحدة، متداخلةً مع عوامل وفواعل خارجيّة، وإحدى مقوّمات الشرعيّة في هذا العصر حيازة قدر من الاعتراف الدوليّ؛ والاعترافُ غير الرضا.

حاز الجيش الحرّ، بوصفه عنوان المقاومة المسلّحة العريض الأوّل المتغصّن عن الثورة، وعن مجتمعاتها بلا معرفة به سابقة للثورة تقيّمه سلبًا أو إيجابًا على نحوٍ مولّدٍ لتحيّزات وخصومات وانقسامات، وباعتباره الوحيد لمدّة معتبرة من الزمن، والمهيمن لفترة طويلة نسبيًّا، لا بوصفه تنظيمًا ولا تنظيمات فحسب، الشرعيّة والمشروعيّة، مع قدرٍ من الاعتراف، والاعتراف ليس هو الرضا، فالجيش الحرّ معترف به من قبل أطراف خارجيّة، وليس مرضيًّا عنه كما يروّج جماعةٌ، كما أنّ الثورة ليس مرضيًّا عنها خارجيًّا؛ وهذا كلّه استنادًا إلى ضرورتيّ حماية المجتمعات وإدارة المناطق المنتفضة والخارجة عن ربقة السلطة القديمة التي تخسر السلطة والشرعيّة في آن، والذاهبة بالناس إلى حرب شرسة يظهر أنّها لا تبقي ولا تذر، وقبل ذلك لحرص الناس على حماية نسق سياسيّ آخذ بالتكوّن والنمو من بعد اندلاع ثورتهم، ثورة الكرامة.

نحن حيال التعريف بنسق مقاوم، فرع على النسق الصاعد مع الثورة، والذي تمّ بتره، وليس بمنظّمة، نسق كان يمكن بناء التنظيمات بموازاته لتجاوز الانتقال، عبر لجم العوامل المحرّضة للانقسام، من العوامل السياسيّة والسيسيولوجيّة الكامنة في حالة ما قبل الثورة، والمتولدة من أثر ديناميّات الصراع.