«الجوع، الحرب، المرض»، ثلاثية ما زالت تحاصر الشعب اليمني، لتحصد كل يوم مزيد من القتلى والمصابين ومن ينتظرون ساعة موتهم البطيء، على يد أحد أضلاع هذا المثلث المحيط بالأبرياء، المتسبب فيه أطراف الصراع كافة وسط انسداد العملية السياسية، فما زالت أغلب الأطراف مصرة على موقفها وكل له أهداف محددة يريد الوصول إليها بغض النظر عن معاناة المدنيين في الأراضي اليمنية كافة، بينما تتوافق القوة المؤثرة في المشهد مع الدول الكبرى التي تصمت إزاء ما يجري.


«الكوليرا» أداة القتل البطيء لليمنيين

انضم وباء الكوليرا إلى قائمة كؤوس القتل التي يتجرعها الشعب اليمني جراء استمرار الصراع بين معسكر الشرعية والذي يقوده الرئيس «عبد ربه منصور هادي» المدعوم من التحالف العربي بقيادة السعودية، ومعسكر الانقلابيين (تحالف جماعة الحوثي والرئيس السابق علي صالح)، حيث قضت الحرب على حوالي نصف مستشفيات اليمن إلى جانب تدمير البنية التحتية الضعيفة في الأساس مما أسهم في انتشار الأوبئة والأمراض ومنها الكوليرا.

وفقا لمنظمة الصحة العالمية بلغ عدد المصابين بالكوليرا 92 ألف مواطن في 19 محافظة يمنية من أصل 23 محافظة

كشف تقرير لمنظمة الصحة العالمية عن وفاة حوالي 728 شخصًا جراء الكوليرا في الفترة من 27 أبريل/نيسان الماضي حتى يوم 6 يونيو/حزيران الجاري، إلى جانب إصابة حوالي 92 ألفًا بالوباء وذلك في 19 محافظة يمنية من أصل 23 محافظة، وكانت المنظمة أعلنت قبلها بيوم أن عدد الوفيات جراء المرض بلغ 676 حالة، وأعلنت بعدها بيومين فقط ارتفاع عدد المصابين إلى مائة ألف.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الانتشار الواسع للوباء بين صفوف المدنيين والذي يقتل فردًا كل ساعة، وذلك حسب ما أعلنت منظمة أوكسفام الخيرية، أي أكثر من 700 فرد خلال شهر، ولكن لضعف إمكانات اليمن في الأساس إلى جانب الحرب والحصار لم يتم احتواء المرض حتى الآن، فقد أعلن الحوثيون العاصمة صنعاء في 14 مايو/آيار الماضي مدينة منكوبة، بينما تقف السطات الشرعية عاجزة عن احتواء المرض بخلاف بعض المساعدات الخليجية التي تحاول التغطية على ما يجري هناك.

والكوليرا عبارة عن عدوى حادة تسبب الإسهال وتؤدي إلى الوفاة في غضون ساعات إن تُرِكت من دون علاج، وعلاجها يسير وغير مكلف من الناحية الطبية، ولمواجهة انتشار الوباء يجب توفر مياه صحية وأطعمة غير ملوثة، وهذا غير متاح حاليًا لاستمرار الصراع بين كافة الأطراف، والذي أدى لانتشار القمامة وتدمير محطات الشرب والصرف الضعيفة بالأساس مما فاقم المأساة وأسهم في سرعة انتشار المرض الذي ظهر في أكتوبر/تشرين الثاني 2016.

ولم تكتف الكوليرا فقط بحصد أرواح اليمنيين فقد سبقتها لقوائم الموت أمراض أخرى وأهمها حمى الضنك والتي تسببت في وفاة 80 شخصًا العام الماضي وإصابة حوالي 23 ألف فرد.

وبجانب الأوبئة والأمراض انضم شبح الجوع إلى قائمة الحصار ضد الشعب اليمني، فقد حذرت الأمم المتحدة من أن العالم يواجه أسوأ أزمة إنسانية منذ عام 1945، حيث يواجه 20 مليون شخص مجاعات في اليمن والصومال وجنوب السودان ونيجيريا، ويدعم ذلك ما أكده تقرير أممي آخر أن حوالي 60% من اليمنيين (17 مليون نسمة) في «أزمة» أو «حالة طارئة» للوضع الغذائي، وقد تتدهور الأوضاع وتصل لحد المجاعة.


الحوثي والتحالف يتاجرون بأمراض اليمنيين

تسبب عمليات التحالف العربي بقيادة السعودية في إطالة أمد الأزمة اليمنية أكثر من حلها، بخلاف ما أعلن في البداية وقت إطلاق عاصفة الحزم في مارس/آذار 2015 بأن العملية العسكرية لن تستغرق ثلاثة أشهر ليمر العامان ولم تحسم الأمور حتى الآن وما زال اليمنيون يطبق عليهم المرض والجوع جراء تعنت أطراف الصراع كافة.

ولا يهم أي من طرفي الصراع كثيرا أمر اليمنيين، فالحوثيون ما زالوا يواصلون حصار بعض المدن مع استمرار أعمال القصف العشوائي، وعلى رأسها مدينة تعز أولى المناطق التي شهدت انتشار الوباء جراء استمرار الحصار ومنع دخول المساعدات الإنسانية والطبية، وكذلك التحالف العربي ما زال يفرض حصارًا بريًا وبحريًا وجويًا على المناطق الخاضعة للحوثيين وعلى رأسها صنعاء وكل ذلك ساعد في تفشي المرض واستفحاله ليطال 19 محافظة يمنية من أصل 23.

ولم يكتف أطراف الصراع بالتسبب في تفشي الكوليرا وغيرها من الأوبئة، بل يسعى كل طرف إلى توظيف المرض سياسيا، فالحكومة الشرعية ومن ورائها التحالف يحملون المسؤولية للحوثيين إذ يتهمونهم بالضلوع في نشر الوباء عن طريق منع عمليات النظافة ووصول الأدوية إلى المستشفيات ومنع علاج المصابين، أما الانقلابيون فيروجون أن حصار التحالف وهدم المستشفيات ومنع وصول الأدوية هو من صنع الحكومة والتحالف العربي للضغط علي اليمنيين.


السعودية تعول على الحصار

في تصريح تليفزيوني لافت لولي العهد السعودي «محمد بن سلمان»، أكد فيه أن بلاده تعول على النفس الطويل في حرب اليمن وأنها لن تخسر شيئًا بطول أمد الحصار والذي سيسهم في انتهاء المؤن والسلاح لدى تحالف «الحوثي ـ صالح»، وهو ما سيضطرهم إلى الاستسلام وأن بلاده لن تدخل حربًا برية رغم قدرتها على فعل ذلك.

يكشف هذا التصريح عن نظرة الرياض للحرب، فهي لا تكترث كثيرا لحالة المناطق الخاضعة للحوثيين وسقوط الضحايا جراء أعمال القتال الدائر أو الأمراض والجوع، مما يظهر سلطات الانقلاب بمظهر الضعيف وغير القادر على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها وهذا يدفع لإثارة سكانها ضدهم، والحوثيون لن يهتموا برضا أو سخط من يقبعون تحت سيطرتهم.

كما تتخوف السعودية من حرب برية غير قادرة على حسمها أو تحمل نتائجها، في ظل رفض كثير من القوى المشاركة بالتحالف العربي المساهمة في هذا النوع من العمليات ضد مناطق الحوثيين، لأنها ستؤدي إلى سقوط عدد كبير من القتلى سواء في صفوف القوات أو في صفوف الحوثيين والمدنيين الذين سيسقطون جراء الاشتباكات وهذا ستكون له تكلفة سياسية كبيرة لن تقبل أي دولة بالتورط فيها بخلاف الخسائر المرتفعة في أرواح الجنود والتي قد تثير غضب مواطني هذه الدول.

وتوجد مسألتان حاسمتان الآن ترجحان استمرار الحرب اليمنية وطول أمدها وهو ما يعني إطالة معاناة المدنيين الأبرياء، والنقطة الأولى، هي ما يعيشه التحالف العربي من ارتباك في صفوفه وعدم الاتفاق فيما بينهم، فقد تم إخراج قطر من صفوفه وتأييد اليمن للمقاطعة التي فرضتها عليها بعض الدول العربية والإسلامية بزعم رعايتها للإرهاب، وتسخير إمكانيات الدول المقاطعة وخاصة الخليج ومصر للهجوم على الدوحة والتي اتهمت أيضا بالتعاون مع الحوثيين وتسريب معلومات عن قوات التحالف إليهم.

والنقطة الثانية، هي قضية انفصال جنوب اليمن، حيث أعلنت بعض القيادات الجنوبية والمدعومة من الإمارات مثل محافظ عدن المقال «هاني بن بريك»، ووزير الدولة المقال أيضا هاني بن بريك وقيادات أخرى تشكيل مجلس سياسي للعمل على إقامة دولة الجنوب، وهو ما رفضته السعودية لضرره البالغ عليها لأن هذا سيعني إنهاء شرعية تدخلها في اليمن وإقامة دولة في الشمال مجاورة لها يسيطر عليها الحوثيون.


ترامب يساعد في تدمير اليمن

تزداد صعوبة الحرب اليمنية علي السعودية في ظل رفض كثير من القوى المشاركة في هذا النوع من العمليات لكلفتها السياسية العالية

من غير المرجح الآن أن يقدم التحالف العربي وخاصة دول الخليج أي تنازل في اليمن للحوثيين في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعطى الضوء الأخضر للسعودية والإمارات باستمرار عملياتهما العسكرية بغض النظر عن الخسائر أو الضحايا، والتي كانت تحد منها إلى حد ما إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، بوقف الصفقات للسعودية والانسحاب من التحالف جراء استهداف المدنيين.

ويعد وجود ترامب الآن في البيت الأبيض فرصة لدول التحالف وخاصة السعودية والإمارات في فرض أجندتيهما كاملة باليمن، وقد بدأت أولى هذه الخطوات بتأييده الحصار المفروض على الدوحة أحد حلفاء واشنطن إلى جانب رغبته في استخدام دول الخليج في حربه ضد إيران فإن هذا سيدفعه إلى غض الطرف عما يجري باليمن، وليس هذا فحسب بل عمل على تزويد دول الخليج بالأسلحة التي طلبوها والتي أوقفتها الإدارة السابقة بسبب حرب اليمن.

أما عن موقف الدول الأوروبية الأخرى فهي لا تكترث كثيرا لما يجري في اليمن ولن تفعل شيئا ما لم تقدم عليه واشنطن أولا، لتكتفي ببيانات الشجب والتعاطف دون اتخاذ رد فعل حقيقي لإنهاء الحرب اليمنية التي جلبت الموت بكافة صنوفه إلى أرض اليمن، لتستمر طلقات النيران المتبادلة والأمراض في حصد المزيد من الأرواح.