تكاد تكون لفظة «الإمبرياليّة» اليوم في خطابات الليبراليين، علمانيين كانوا أو إسلاميين ديمقراطيين، كلمة مُضحكة بالنسبة إليهم، لأنّها، يا للغرابة، تدلّ على مؤامرتيّة وتخوين، في فهم ساذج وجاهل في واقع الأمر. وفي سياقنا العربيّ اليوم، أي بعد مرور سنوات من انتفاضاتٍ في شتّى البلدان العربيّة، أصبحت الكلمة مثار استغرابٍ للكثيرين، حيث إنّنا، وفقًا للمطروح علينا من النّخبة الليبراليّة، تجاوزنا هذا العصر. أي أصبحت الإمبرياليّة، وكلّ مفردات التحليل التي تنتمي إلى معجمٍ نضاليّ، مقولة من الماضي، وهو الماضي الذي تجاوزناه في عصر يدّعي الكونيّةَ والعولمة.

والحال أنّ الكثيرين يسيئون فهم لفظة الإمبرياليّة، عن قصدٍ أو عن غير قصد، سواء من مستخدميها الذين يستعملونها بطريقة شعبويّة لا تدلّ على ما تعنيه الكلمةُ فعلا، أو من المعترضين عليها الذين يظنّون أنّنا في عصر تجاوز زمان الإمبرياليّات. وفي الغالب، يتمّ التعامل مع لفظة الإمبرياليّة ويكأنّها مفهوم أخلاقيّ، أو بمثابة تنابذٍ مفاهيميّ. إنّ الإمبرياليّة ليست مفهومًا أخلاقويًّا يَصِفُ خيرًا وشرًّا، وإنّما هو مفهوم تحليليّ حقيقةً، مرتبط بالرأسماليّة التي تتوسّع منذ القرن التاسع عشر خارجيًّا في شكلها الاستعماريّ الاحتلاليّ. صحيحٌ أنّ الإمبرياليّة لم تعد مقتصرة على الاقتصاد فحسب، فقد اتّخذت أشكالاً عدّة، وهو ما توضّحه غاياتري سبيفاك وتيموثي ميتشل وجوزيف مَسعد وغيرهم من النّقاد المعادين للإمبرياليّة، بعد الحرب العالميّة الثانية وسقوط الاتّحاد السوفياتيّ لاحقًا، منها الأجندات عولميّة لـ «حقوق الإنسان» أو لنشطاء المجتمع المدنيّ وغيرها من الوسائل التي إنّما تدلّ، فعلا، على تشعّب الإمبرياليّة وغزوها المرتبط بالسياسات الرأسماليّة.

ومنذ لينين، صرنا نعرف أنّ الإمبرياليّة هي أعلى مراحل الرأسماليّة، وأنّ النّسق الرأسماليّ الحديث لا يمكن أن تقوم له قائمة إلّا بالإمبرياليّة. ولذلك، كما يحاجج تيموثي ميتشل، إنّ الإمبرياليّة هي الحداثة في الخارج، أي في الجنوب، بما أنّها قائمة على تدويل الرأسمال الميتربوليّ الذي يدخلُ في علاقةٍ بنيويّة لا مناصَ عنها مع الجنوب، لأجل تحديثه، أي الهيمنة عليه، وفقًا لمقتضيات الميتربول وفائضه الرأسماليّ.


الإمبريالية كما يحاجج تيموثي ميتشل، هي الحداثة في الخارج، أي في الجنوب، بما أنّها قائمة على تدويل الرأسمال الميتربوليّ الذي يدخلُ في علاقةٍ بنيويّة لا مناصَ عنها مع الجنوب، لأجل تحديثه، أي الهيمنة عليه.

في كتابهما اللافت للغاية الذي صدر مؤخرًا عن دار جامعة كولومبيا بعنواننظريّة حول الإمبرياليّة (A theory of imperialism)، يأخذ الاقتصاديّان الهنديّان أوتسا باتنيكا وبربهات باتنيكا مفهوم الإمبرياليّة بعيدًا عن استعماله الشّائع الذي يتناول أشكالا عَرضيّة من الهيمنة عبر الحروب والنّزاعات التي تشنّها دولٌ كبرى على دول أصغر منها فحسب، وإنّما إلى فضاءٍ أوسع، أي، كما يحاجج المفكّر الهنديّ الكبير عقيل بلغرامي في مقدّمته التقريظيّة الممتازة لهذا الكتاب، «إلى شرطٍ مزمن للتاريخ على مدى قرون حتى يومنا هذا» (المقدمة، ص x). ورغم أنّ الكاتبيْن يرفدهما رافدٌ ماركسيّ، وتقليد يساريّ واضح، وتجتذبهما مصاهرةٌ مع هذا التقليد والتراث الماركسيين، إلّا أنّهما يفكّران في سياقٍ أوسع لمفهوم الإمبرياليّة كما طرَحه لينين. فليست الإمبرياليّة، يقول الكاتبان، هي «أعلى مرحلة من الرأسماليّة» كما وضّح لينين، ولكنّها جوهريّة للرأسماليّة منذ بدئها. وبالتالي، بالنسبة إليهما، لا يمكننا فهم الرأسماليّة حقًا دون فهم الإمبرياليّة. أو كما يقولان، فإنّ «الرأسماليّة دون إمبرياليّة شيء مستحيل» (ص٨٥).

وعبر حجاجٍ اقتصاديّ طويل، يمضي الكاتبان في عرض أفكارهما حول ما يسمّيانه بـ «العلاقة البنيويّة التي لا مناص عنها لرأس المال الميتربوليّ مع الجنوب» (ص١٤٢)، وكيف أنّ العجز التجاريّ الحادث في الميتربول كانت تحلّه تاريخيًّا الكولونياليّة في الخارج، التي كانت جزءًا لا يتجزّأ من الإمبرياليّة، ممّا يجعل، كما يقول الكاتبان، «من المتعذّر أن نتعامل مع الإمبرياليّة والكولونياليّة كمقولتين منفصلتين» (ص٩٠). لكنّ الإمبرياليّة في ثوبها الحالي، أي في سياقنا النيوليبراليّ والعولميّ، يقع استغلالها الاقتصاديّ على الجنوب عبر تخفيض قيمة أجر العامل في الجنوب وإبقاء أسعار السّلع التي يحتاجها الميتربول على حالها، والتي لا تُوجد إلّا في الجنوب (نظراً لتقسيم العالَم وفقاً للمناخ). (يمكننا أن نرى، مثلاً، العامل الإفريقيّ الذي تسحقه الإمبرياليّة وتعرّضه للموت، هو وأطفاله، من أجل إنتاج سلع يحتاجها المركز، وهو يحصلُ لقاء موته على أجر لا يسدّ رمقه، بل لا يحميه من الموت حتّى).

يحملُ الكتاب حججًا لا تُضاهى، وسبرًا تاريخيًّا عميقًا لا يمكنني إيجازه بحالٍ في مقالة كهذه. ما أردتُ أن أقتنصه من الكتاب على عجلٍ هو سحب حجّة الكتاب إلى عالمنا العربيّ ضدّ الليبراليين وأشباههم ممّن يوهمنا بأنّنا تجاوزنا هذا العالم المأساويّ، وأنّنا نحيا في ظلّ نظام عولميّ أفضل حالا. ليس بوسع الليبراليّ العربيّ أن يكون سوى ملطّف لعنف الغرب الإمبرياليّ، عن طريق تحويل هذا العنف لـ «سوء استخدام» من قبل متهوّرين في الغرب، لا إلى علاقة بنيويّة تحكم الشّرط الرأسماليّ نفسه، وإمّا عبر أنسنة الضحيّة العربيّة أمام الميتربول الإمبرياليّ. فالليبراليّ العربيّ يقنعُ الداخل دائمًا، الداخل المُستنزف اقتصاديًّا والذي يحيا شروط البنك الدّوليّ كاملة والذي تحكمه أنظمة يصرّفها رأس المال الميتربوليّ تمامًا دون أيّة سيادة وطنيّة تحمي الفقراء من الإمبرياليّة، بوجهٍ آخر لهذه الإمبرياليّة التي تتجلّى، لأفقر الناس وأكثرهم بساطةً، في معيشهم اليوميّ الذي لا يستطيعون فيه أن يحصلوا على الحدّ الأدنى من الأجر والحياة؛ ويعمل في الخارج، لدى الإمبرياليين، على إقناعهم بـ «إنسانيّة» الضحايا في الدّاخل، وأنّه لا بدّ من «الاهتمام» بهم، وتقديم خطاب عطف وشفقة حيالهم.

كما إنّ اليسار الليبراليّ الذي لا يفعلُ شيئًا سوى محاولة الوقوف في المنتصف، ولا يحمل خطابًا راديكاليًّا تجاه شيء، سوى حيال أرثوذكسيّة حقبة ما بعد الاستعمار في المشرق العربيّ، وأحيانًا بلعن الإرث السوفياتيّ ومصادره كلّها من المركز ومن الدّول التي كانت تستهدف التجربةَ بالأساس، أقول لا يقوم بشيء سوى محاولة رفع شعارات معادية للإمبرياليّة جوفاء لا تفعل شيئًا في واقع الأمر. فأنت لا يمكن أن تحارب الإمبرياليّة وتقاومها في أيّامنا هذه ضمن أجندات ثقافويّة فحسب، كأن تعمل على نقض الهيمنة الثقافيّة الغربيّة على دول الجنوب، ومحاولة تمثيل هؤلاء الناس الذين دائمًا ما يُناب عنهم دون سماع أصواتهم فقط. لا معنى لمقاومة الإمبرياليّة خارج طرح خطاب راديكاليّ حيال الشّرط الرأسماليّ النيوليبراليّ الذي يميت العاملين والفقراء في الجنوب من أجل خدمة الرأسمال الميتربوليّ. بمعنى آخر، لا معنى لمقاومة الإمبرياليّة خارج الاقتصاديّ: أي بتوفير سلطةٍ حاميةٍ للفقراء، وبتمثيل صوتهم، وحماية مداخيلهم التي كادت أن تضمحل.


ليس بوسع الليبراليّ العربيّ أن يكون سوى ملطّف لعنف الغرب الإمبرياليّ، عن طريق تحويل هذا العنف لـ «سوء استخدام» من قبل متهوّرين في الغرب، وإمّا عبر أنسنة الضحيّة العربيّة أمام الميتربول الإمبرياليّ.

إنّ غزو منظّمات المجتمع المدنيّ ومنظمات حقوق الإنسان في العالَم العربيّ اليوم، والتي شهدنا تكاثرها مع الألفيّة وازدهارها الكبير مع الانتفاضات العربيّة، لا تقوم بشيءٍ حيال هذا الواقع الرأسماليّ لأنّها، بالأساس، ابنته وذراعٌ للإمبرياليّة، شئنا أم أبينا. فمن البداهة للجميع أنّ مَن يدفع ويموّل يتحكّم في المنتوج، لا العكس. وأنت عندما تترجم واقعاً سياسيّاً واقتصاديّاً لبلدان عالمثالثيّة عبر عدسة الثقافيّ والحريّات ومعدّلاتها والديمقراطيّة، فإنّك لا تفعلُ شيئاً في واقع الأمر. فماذا تعني الدّعوة إلى الديمقراطيّة والحريّات وفتح المنابر والقنوات في ضوء واقع اقتصاديّ ينهشُ الناس، ويأكل ما تبقّى من جلودهم؟ بل ربّما تكون الديمقراطيّة هي الكلمة الأكثر إضحاكاً اليوم: حيث تُقدَّم باعتبارها الخلاص للنّاس، ولا تُؤخَذ على شقّها السياسيّ، بل كأمرٍ كونيّ لازمٍ لتحقيق أيّ شيء. في حين أنّه لا علاقة لها بتاتاً بمسألة تحرير النّاس اقتصاديّاً من إمبرياليّة الرأسمال الميتربوليّ وحمايتهم من البنك الدّوليّ. لا أقلّل من الديمقراطيّة كنظامٍ وطريقة للحكم مطلوبة عربيّاً ونعاني جميعاً من غيابها، لكنّني لا يمكنني أن أدافع عنها وكأنّها القضيّة الوحيدة بحال. ولطالما اتخذت القوى الإمبرياليّة شعار «تعزيز الديمقراطيّة» كمبرّر للتدخّل في بلداننا.

نحن في عصرٍ فقدنا فيه أيّ انتماء كان في السابق أداة مهمّة لمعادة الإمبرياليّة ومقاومتها. ويَسخرُ الكثير من أيّ وصفٍ يدلّ على انتماء، باعتبار أنّنا لم نعد في عصر القوميّات، والانغلاق، وبالتالي فإنّنا -عربًا- مثلهم في الخارج، مشاكلنا نفسها، ونعاني وإنْ بأشكال مختلفة من الأزمات البنيويّة التي يمرّ بها العالَم اليوم. فأنتَ حين تقول مشاكلنا «العربيّة»، تُنقَد لأنّه لا معنى للعروبة اليوم، ولا للقوميّة، ولا لأيّ انتماء. وكيف يكون في عصرٍ يُصدَّر فيه «ثوّار» ونشطاء ومفكّرين يتمثّل كلّ رأسمالهم الرّمزيّ في تفكيك أيّ مشروع انتماء للنّاس العاديين الذين سحقهم الرأسمال النيوليبراليّ. بل إنّ هناك منهم مَن يفخرُ بأنّ الرّبيع العربيّ كان تجاوزاً للثورات الوطنويّة بالمعنى الضيّق، وأنّه ثورات كونيّة، لا تسعى إلى الانكفاء، بل إلى الانفتاح. (وبالمناسبة، صحيحٌ هو التوصيف، فالرّبيع العربيّ لم يكن قائمًا على، أو لم يدعُ إلى، تفكيك الشّروط الاقتصاديّة التي تفرضها الدولةُ في عصر شروط البنك الدّوليّ، والرأسمال المعولم الذي يقوم على لحم الفقراء. والواقع أنّها كانت ثورات نحو «حوكمة رشيدة»، وديمقراطيّة أكثر، وللدّعوة إلى حُكم القانون).

ولا ريب في أنّ القوميّات عمومًا صارت فكرةً مرذولة اليوم، لا سيّما بعد الترويج ضدّها بأنّها تؤسّس للإثنيّات والشوفينيّات والشموليّات. ولا حلّ إلّا بانتماء كونيّ، لأنّ فيه يلتقي الإنسان بحسّ إنسانيّ مشترك يضمّ الناس جميعًا. وقد اتخذت هذه الفكرة أشكالاً فلسفيّة عديدة، وأغلب مآلات تفكيك الهويّات للاشيء إنّما يصبّ في إطار الكونيّ الذي تحدّده، سلفًا، القوى المهيمنة في الميتربول.


نحن في عصرٍ فقدنا فيه أيّ انتماء كان في السابق أداة مهمّة لمعادة الإمبرياليّة ومقاومتها. ويَسخرُ الكثير من أيّ وصفٍ يدلّ على انتماء، باعتبار أنّنا لم نعد في عصر القوميّات، والانغلاق.

عودًا إلى كتاب نظريّة حول الإمبرياليّة، يطرح الكاتبان مسألة شائكة، تتعلّق بالعودة إلى القوميّات لحماية الفقراء من الرأسماليّة. لكنّ ليست القوميّة بشكلها الإثنيّ والهوياتيّ المنغلق، وإنّما كنظام حماية للأفراد. وطبعاً، عندما تُثار مسألة القوميّة اليوم، ينتفضُ الكثير باعتبار أنّنا في عصر تجاوز القوميّات ومثل هذه الأيديولوجيّات (الرّجعيّة، برأيهم). وذلك إنْ دلّ على شيء، فإنّما كما يحاجج عقيل بلغرامي بأنّ كثيراً من المثقفين، حتى في اليسار، لا يريدون مقاومة العولمة الماليّة، وإنّما، كما يقول بلغرامي، «يريدون إنجاح العولمة». ويُشير بلغرامي إلى أنّ هناك قلقاً واسع الانتشار في أوساط الانتلجانسيا من أنّ فكرة العودة إلى القوميّات التي يطرها الكاتبان قد تنطوي على شكلٍ من أشكال الإثنيّة، لكن أفق الكاتبين أرحب من ذلك بكثير.

وبالفعل، فلا يمكنك أن تغرق النّاس والفقراء الذين لا يمتلكون أيّ أداوت لحمايتهم في الماء، ثمّ تقول لهم لا تبتلّوا. بمعنى أنّه لا بدّ من توفير طرق حماية ووقاية لهم في زمنٍ أشبعنا فيه الليبراليّون مديحًا في انفتاح السّوق، وإخلاء يد الدّولة من الاقتصاد. وهذه ليست دعوة دولتيّة بحال. فالدّولة اليوم -كما نرى في مصر مثلاً- لا تقوم بشيءٍ سوى بتسليم النّاس، حرفيّاً، للسّوق، وهي بفعلها ذلك إنّما تكملُ إرثاً افتتحه سيّئ الذّكر أنور السادات وأكمله المباركيّون، ويُنجَز أيّما إنجاز على يد الطغمة الحاكمة في مصر اليوم.

وفي وقتٍ صارت فيه الدولةُ هي عينُ ما تطلبه القوى الإمبرياليّة الاقتصاديّة منها، فلا معنى لمقاومة الإمبرياليّة دون مقاومة هذا النّوع من الدّولة ومقاومة الرأسماليّة التي هي شرطٌ إمبرياليّ بطبيعتها. أي، إذا كان النّاس بعد خروج الاستعمار يقاومون الإمبرياليّة عبر الدّولة الوطنيّة (حتى وإنْ كانت فاسدة ومستبدّة)، فاليوم يحاربون الاثنين معًا. ولكن لن يدفع الثمنَ الأجراء الإمبرياليّون والمموّلون، وإنّما النّاس والفقراء الذين لا يقوم تحديثٌ إلّا على جثثهم، وإلّا بالتضحية بهم. وهؤلاء لهم صراعهم اليوميّ، وللأجراء حروبهم «الديمقراطيّة» الخاوية.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.