قبل أسبوعين وتحديدًا الأحد 23 أبريل/نيسان الماضي، توجه 36 مليون فرنسي لصناديق الاقتراع (من أصل 47.5 مليون) لانتخاب الرئيس السابع للجمهورية الفرنسية الخامسة، والتي أسسها ديجول عام 1958.

شهدت رئاسيات فرنسا عددًا من المفاجآت، بعضها فرضه الواقع الدولي المحيط، الأوروبي بشكل خاص، كتنامي تيارات اليمين المتطرف في أوروبا، حتى كانت قاب قوسين أو أدنى من حكم عاصمة أوروبية غربية للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية بوصول نوربرت هوفر للجولة النهائية من رئاسييات فيينا، وهو ما جعل مرشحة الجبهة الوطنية في الجولة الثانية بفارق ضئيل عن منافسها إيمانويل ماكرون.

لأول مرة منذ التأسيس الخامس تخلو المنافسة في جولتها الثانية من أي من ممثلي الحزبين الكبيرين، الجمهوريين والحزب الاشتراكي.

ولأنه بمعرفة السبب يبطل العجب، فلن يكون لممثل الحزب الاشتراكي، بنوا آمون، فرصة للمنافسة وقد كانت حكومة حزبه الأضعف منذ تأسيس الجمهورية والأقل شعبية من بين الحكومات المتعاقبة على الإليزيه. أما فرانسوا فيون، مرشح الجمهوريين، فقد عاد إلى الظل مبكرًا بعدما استهدفته حملات التشويه المقترنة بفضائح مالية ارتكبها بينما كان عضوًا في الجمعية الوطنية، بتعيينه زوجته وابنيه في أعمال وهمية تقاضوا على إثرها مقابلات مادية كبيرة.

وبهذا كانت الفرصة سانحة أمام شخصين عملا بجِد وإحكام للوصول للجولة الثانية من رئاسيات فرنسا والتي انتهت اليوم بفوز أحدهما، إيمانويل ماكرون، المدعوم من حركة «!En Marche – إلى الأمام»، وفي قادم السطور نتناول أبرز الأسباب التي أتت بماكرون للإليزيه، وأخّرت عنه مرشحة فرنسا الغاضبة.


5 أسباب تشرح لك لماذا فاز ماكرون برئاسيات فرنسا

رفض ماكرون أن يكون مِلحًا لانتخابات حامية الوطيس بين اليمين المتطرف ويمين الوسط. لم تعجبه مقاعد المشاهدين، لكنه كان بديلًا جيدًا، أشبه بهؤلاء الذين ما إن تأزمت المباراة دفع بهم الجهاز الفني (الأوروبي) لإحراز الهدف وإحياء الأمل، فماذا كانت أدواته؟

1. اقفز من السفينة ولو كنت ممن خرقوها

قفز ماكرون في أغسطس/آب الماضي من سفينة هولاند الغارقة لا محالة، في ظروف تمر بها فرنسا هي الأسوأ منذ تأسيس الجمهورية. في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 شهدت باريس مذبحة دامية، راح ضحيتها ما يزيد عن 100 قتيل، ومئات الجرحى، في ظل قصور أمني فادح، هذا على الصعيد الأمني. في الجانب الاقتصادي تزايدت البطالة بمعدلات قياسية وصلت 10%.

معدلات البطالة الفرنسية (1996-2017)

محاولات حكومة هولاند لاحتواء أزمة البطالة في أغلبها باءت بالفشل؛ لأنها كانت حريصة على اجتذاب رأس المال ومنحه تسهيلات تضمن بقاءه في السوق الفرنسية في ظل تنافسية أوروبية متجاوزة للحدود ضمن منطقة الشنغن، وهو ما أضر بالعمال الفرنسيين، فنجد على سبيل الإحصاء، الذي هو خير من ألف مقال،حصة العمالة المؤقتة تتزايد من 75% من إجمالي العمالة الفرنسية لعام 2000، إلى 86% للعام الماضي 2016، 80% من إجمالي هذه العمالة المؤقتة لا تتعدى عقودهم للعمل الشهر الواحد!؛ ما يهدد بشكل مباشر النسيج المجتمعي العمالي في فرنسا.

أين كان ماكرون من كل هذا؟ كان مستشارًا اقتصاديًا لفرانسوا هولاند منذ انتخابه في العام 2012 وحتى 2014، ليتولى بعد ذلك حقيبة الاقتصاد من العام 2012 وحتى موعد استقالته في العام الماضي 2016.

2. تبنى ماكرون خطابًا جديدًا أو هكذا بدا للناخب الفرنسي

إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات.

هكذا ذهب ماكرون في خطابه الاجتماعي أو الثقافي، أو هكذا سوّق نفسه للناخب الفرنسي، الناقم على المؤسسة (Establishment)، وهو ما بدا جليًا في نتائج الجولة الأولى، إذ حصل كل من ماكرون ولوبان وجون لوك ميلينشون على 65% تقريبًا من إجمالي أصوات الناخبين، بينما حصل مرشحا الحزبين التقليديين على ما يعادل 26% فقط!

رفض ماكرون أن يُحسب على اليمين أو اليسار، ورفض في وقت مبكر مع نيته الترشح للرئاسة عرضًا من الحزب الاشتراكي لخوض انتخاباته التمهيدية لئلا يُحسب على الحزب الذي تمثله في السلطة إدارة هولاند الفاشلة.

3. القدَر يغازل ماكرون مبكرًا

من غير المنصف أن ننسب الفضل كله لماكرون باعتباره الرجل الخارق الذكي، بيد أن القدر كانت يده تتحرك في الخفاء، لتُظهر فضائح المرشح الأوفر حظًا فرانسوا فيون.

وهنا تجدر الإشارة لحظه العثر في الانتخابات؛ فبينما أعدّ لحملة ساركوزي الانتخابية في 2007، اختاره الأخير رئيسًا للوزراء في إدارته، ولما أراد فيون بنهاية عهد ساركوزي 2012 أن يترشح لرئاسة حزب الجمهوريين عانده الحظ وخسر في انتخابات الحزب الداخلية التي شابها التزوير، لكنه خرج من هذه المعركة بوعد تمثيل اليمين في رئاسيات 2017، وما لبث أن كانت حظوظه الأوفر في ظل منافسة يمينية صرفة بينه وبين مارين لوبان حتى تكشفت فضائح مالية أعادته إلى الظل في وقت مبكر.

باستبعاد فيون، سطع نجم ماكرون وجمعت حركته «!En Marche – إلى الأمام» آلاف الشباب من أبناء المدن والجامعيين، وهؤلاء الذين تعجبهم الخطابات الأوروبية المفتوحة على النواحي الاجتماعية والثقافية، وتغريهم النقاشات حول مسائل العنصرية والنسوية والجنسوية، دون أن يصيبهم ضرر الخطاب الأوروبي الكوزموبوليتاني، ويهدد أعمالهم كما فعل بأبناء الشرق والشمال الشرقي الفرنسي، الذين ذهبت أصواتهم للوبان.

4. مآمرة مآمرة!

من يشتغلون بإدارة الأعمال، لهم قاعدة ظريفة إذا ما عظمت عليهم المنافسة في سباق ما؛ إذ يأكلون أنفسهم قبل أن يأكلهم المنافسون. ربما تجد هذه القاعدة طريقًا لأرض الواقع في الانتخابات الفرنسية الحالية، إذ كان متوقعًا للانتخابات أن تكون يمينيةً يمينية بين ممثل يمين الوسط واليمين المتطرف، ولم يكن منذ هجمات باريس 2015 أي فرصة للحزب الاشتراكي ليُعاد انتخابه على رأس السلطة، فلماذا لا نتخيل أنه قرر اللعب بورقة المرشح الوسط (لا يمين ولا يسار) إيمانويل ماكرون؟ ربما هي خطة محكمة أُعدت مسبقًا.

لكن في هذا إشكالية أن البرلمان الذي من المقرر أن يتم انتخابه يونيو/حزيران المقبل، على أغلب الظن سيكون ذا أغلبية يمينية، خلافًا لما هو عليه الآن، ما يجعل التحالف متوقعًا بين ماكرون والجمهوريين، وتبقى الحكومات الهجيبن بين اليمين واليسار عادةً أوروبية حمائية مثلها في ألمانيا، وهولندا قبيل الانتخابات الأخيرة، إلا أن نتائج هذا التحالف العابر للأيديولوجيا نتائجه كارثية بإخلاء مقاعد المعارضة لليمين المتطرف.

5. التمويل خارج الصندوق

لطالما تكسرت أحلام الطامحين للرئاسة الفرنسية على صخرة نقص الإمكانيات المالية لتمويل الحملة الرئاسية. لذا كان معظم المترشحين يستندون لدعم أحزاب كبيرة ويحملون خلفهم تاريخًا طويلًا من الصفقات المشبوهة والأموال القادمة من دول لا علاقة لها بالديمقراطية.

بخلاف المتعارف عليه في فرنسا، استطاع ماكرون، بفضل شبكة علاقاته وداعميه، الحصول على قروض لتمويل حملته من بنوك في أميركا وبريطانيا وحتى لبنانية، وخاطر برهن أملاكه الخاصة وحتى أملاك زوجته، كما جمع تبرعات من الجالية الفرنسية في الخارج. هذا سمح له بخوض حملة فريدة من نوعها دون دعم تنظيم له كوادر كثيرة ومناضلين.

سمح هذا التمويل لماكرون بالاستعانة بأقوى شركات الاستشارة والدراسات الميدانية، التي قدمت له خدمات ساعدته على جس نبض المجتمع مبكرًا وضبط برنامجه على تطلعات المواطنين باستعمال شبكات التواصل والبرمجيات الذكية، تليجرام كان وسيلة فعالة في التواصل مع الأنصار والناخبين المحتملين.


4 أسباب تشرح لك لماذا كانت هزيمة مارين لوبان مستحقة

يصعب على المحلل حصر كل الأسباب التي ساهمت في هزيمة مارين لوبان في هذه الانتخابات الرئاسية، لكن لو أردنا الاقتصار على الأسباب المباشرة والمؤثرة سنعدد منها؛

1. اليورو

يُجمع المحللون على أن نية مارين لوبان الخروج من منطقة اليورو شكلت العامل الأكبر في تنفير الناخبين من مرشحة الجبهة الوطنية.

في بداية الحملة قالت لوبان إنها تنوي بدء محادثات الخروج في الخريف الموالي لانتخابها، ثم غيرت ذلك إلى 2018 بعد الانتخابات الإيطالية حيث يمكن أن يفوز حلفاؤها في حركة خمس نجوم، ثم رجعت وقالت في الأيام الأخيرة للحملة إنها تنوي الإبقاء على اليورو في التعاملات بين دول الاتحاد كما كان قبل 2002، فوضى لم يستطع الناخبون من خلالها فهم رسالة لوبان كما أن خصومها استغلوا نقطة أن أي خروج من منطقة اليورو سيرفقه تعويم للفرنك بأكثر من 20%؛ ما سيحرم الكثير من كبار السن من مدخرات تعبوا عليها سنين طويلة.

من الناحية الاقتصادية هناك الكثير من الحائزين على جائزة نوبل للاقتصاد يدعمون هذا التوجه مثل الأمريكي جوزف ستيجليتز والفرنسي الراحل موريس آلي، حيث يرونه الطريقة الوحيدة في دفع عجلة الاقتصاد والقضاء على بطالة الشباب. لكن الثمن السياسي سيكون حرمان كبار السن المعروف عنهم تجندهم الدائم في المواعيد الانتخابية وعزوفهم عن كل تغيير صادم في مجريات السياسة والاقتصاد.

2. العداء المرضي للإسلام

تاريخيًا في عهد جون ماري لوبان كان حزب الجبهة الوطنية يتبنى السردية الاستعمارية في التعامل مع الإسلام وهي التي تقضي بإعطاء حرية التعبد وممارسة الشعائر الإسلامية في المستعمرات للحفاظ على ولاء المسلمين. تاريخيًا، العلمانية لم تكن تطبق في مستعمرات فرنسا. في الجزائر مثلاً التي كانت ثلاث محافظات فرنسية كان هناك محاكم شرعية تحكم في الأحوال الشخصية للمسلمين. لإعطاء مثال على ما نقوله عارض الحزب في سنة 2004 قانون حظر الحجاب في المدارس، وفي نطاق أوسع كان الحزب يعارض استخدام العلمانية في تهميش المسيحية من الفضاء العام.

صحيح كانت أدبيات الحزب تدين الهجرة الفوضوية لكن كانت تهاجم السلطات أكثر من المهاجرين. ومع صعود مارين لوبان لسدة الحزب تغيرت النغمة فأصبح الدفاع عن العلمانية من أهداف الحزب، ليست العلمانية المحايدة ولكن العلمانية كسلاح ضد الديانات وعلى رأسها الإسلام لالتزام بعض أتباعه بالهدي الظاهر (حجاب/ قميص ولحية للرجال).

أكثر من الشعائر الاسلامية هاجمت لوبان اتحاد الجمعيات الإسلامية الذي كان طيلة العشرين سنة الماضية شريكًا يستقبله الرؤساء والوزراء متهمةً إياهم بدعم التطرف والإرهاب ورابطة إياهم بداعش والفاشية الإسلامية. تُهم إن كانت تبدو سخيفة للمهتمين بالشأن الإسلامي إلا أن الناخب الفرنسي الذي يحتك بالمسلمين في عمله أو في مقر سكناه لم تنطلِ عليه هو الآخر. أحد أغرب الاقتراحات في هذه الحملة كان منع الرموز الدينية (المقصود الحجاب أساسًا) في الفضاء العام!.

صحيح تجنُّد الناخبين المسلمين محدود إذا ما قارناه بعامة الشعب الفرنسي، لكن رغم هذا فإن المسلمين بلغوا كتلة حرجة يصعب تجاوزها؛ 5-6 ملايين مواطن. يستطيع أي مرشح الفوز من دون أصوات المسلمين لكن من المحال أن يفوز عبر التحريض ضد الكتلة المسلمة.

توجُّه مارين لوبان فشل حتى من الناحية التكتيكية لأن الجالية المسلمة كان عندها استعداد للتصويت للوبان بعد يأسها من الأحزاب التقليدية وطلاقها البائن من الحزب الاشتراكي بسبب قانون الزواج المثلي. وتضرر المسلمين بصفتهم في أدنى السلم الاجتماعي من موجة الهجرة الحالية القادمة ليس من سوريا بل من دول مثل الصومال وإيريتيريا وجنوب السودان وحتى أفغانستان.

3. الفشل في التواصل مع اليمين خارج الأسوار

شكل التموقع العلماني المتطرف للوبان ريبة كبيرة لدى الناخبين الكاثوليك الملتزمين، الذين صوتو لفرونسوا فيون في الجولة الأولى وهم حساسون للحريات الفردية وعدم تدخل الدولة في المدارس الدينية، كما لم يكن واردًا بالنسبة لهم التصويت لماكرون بسبب مواقفه المتعلقة بالتبني للشواذ واستئجار الأرحام.

بصورة أوسع من هذه الكتلة فشلت لوبان في التواصل مع ما يسمى اليمين خارج الأسوار الذي تمثله الكثير من جمعيات المجتمع المدني والمثقفين كالمستشار السابق لنيكولا ساركوزي، باتريك بويسون، لكن لا يجدون لهم تمثيلًا في الأحزاب التقليدية. ضد الدولتية والمركزية اليعقوبية الفرنسية وفي نفس الوقت هم محافظون مجتمعيًا.

4. الأداء الرديء في المناظرة

فرنسا، معدلات البطالة الفرنسية
فرنسا، معدلات البطالة الفرنسية

لا شك أن أداءها العدائي والرديء في المناظرة ساهم في تنفير من كان مترددًا في التصويت عليها. حاولت مارين لوبان مع بداية المناظرة الهجوم المباشر على شخص إيمانويل ماكرون عبر سرد قائمة طويلة من الاتهامات لزعزته وإرباكه، لكنه استطاع تحمل الصدمة بوجهه الوسيم وابتسامته العريضة.

هناك مَثَل سائر لدى رجال القانون في أمريكا، يقولون: لا تطرح سؤالاً في المحكمة لا تعرف إجابته. مارين لوبان سألت في هذه المناظرة الكثير من الأسئلة التي لم تكن تعرف إجابتها بل وحتى أربكتها الإجابة.

بدت مارين لوبان لا تتحكم في القضايا الاقتصادية الكبرى بل لا تتحكم في أعصابها ومزاجها الشخصي. كما قال أحد أنصارها فإن هذا الموقف كان يصلح لو كانت مناظرة من أجل مقعد نيابي أو الفوز بعمدة مدينة، لكنه لا يصلح لكسب ود شعب للوصول لأعلى منصب في البلاد.

ما نتج عن هذه المناظرة ليس فقط عزوفًا من الناخبين المستقلين أو المترددين بل وانهيارًا في معنويات الأنصار وضربة قوية لهم بعد الديناميكية الجيدة التي أحدثتها لوبان خلال الأسبوعين الماضيين.