توشك الأزمة في سوريا أن تنهي عامها السادس مع انعدام فرص إنهاء الصراع، الذي أزهق أرواح أكثر من نصف مليون إنسان، وحول 13 مليون سوري إلى لاجئ ونازح.

العجز الدولي عن إيقاف الحرب أو تخفيف ويلاتها لم يأتِ من تجاهل المجتمع الدولي للأزمة، بل على العكس جاء من انخراط أقطابه الكبرى بها. ورغم إدراك القوى الفاعلة وتوصيفها للأزمة بأنها الأبشع إنسانيًا منذ الحرب العالمية الثانية، ونضوب مفردات الأمم المتحدة في توصيف المأساة إلى درجة تسمية سوريا بـ«المسلخ» البشري [1]، فلا شيء يغير من حقيقة ضعف الإرادة من أجل إيقاف الحرب.

وقد أعادت الأزمة السورية الأنظار إلى عجز منظومة الأمم المتحدة عن القيام بالدور المنوط بها في حفظ السلام والأمن العالميين، وأعادت التظليل على إخفاق المسعى الغربي بإنشاء سلطة فوق وطنية «Supranatioanl»، تراقب مدى التزام الدول باحترام القانون الدولي. أما مجلس الأمن، وهو الهيئة الأممية الأكثر رصانة باعتباره الجسد الوحيد ذا القرارات الملزمة لدول العالم، فقد خسرته الأزمة الكثير من هيبته حين عجز عن تمرير قرارات تطالب بمجرد فتح ممرات آمنة للمدنيين!


إخفاق ثلاثي

http://gty.im/501925518

على الصعيد السياسي، أخفقت الأمم المتحدة ومبعوثوها السياسيون لحل الأزمة في جمع الفرقاء وحلفائهم الإقليميين على طاولة حوار مثمر، فمنذ مؤتمر جنيف1 صيف 2012، وحتى جنيف3 تم التوافق على العديد من التفاهمات الأولية التي لم يتم الالتزام بها، ولم تلعب الأمم المتحدة دور الضامن لاحترامها.

واليوم ينتقل الملف السوري من أيدي المنظومة الغربية، لتحتكره روسيا، التي برزت مكانتها في سوريا عبر تحدّي النظام الدولي، بتعطيلها مجلس الأمن وانتهاكها جميع قوانين الحرب على الأرض. إذ تبدو وكأنها استطاعت عبر سلوكها المارق سحب البساط من تحت أقدام القوى الغربية بتجميعها للفرقاء السوريين في مباحثات الأستانة، لتكون بديلًا عن مفاوضات الأمم المتحدة التي انعقدت على مدار ثلاثة أعوام ونصف العام.

أما أمنيًا، فما زال مجلس الأمن يخفق المرة تلو الأخرى في التوصل إلى تكتيكات تحقن الدماء، وذلك على وقع الفيتو الروسي والصيني الذي أحبط 6 قرارات، فضلًا عن إفشال عشرات مشاريع القرارات قبل رفعها إلى التصويت. أما لجوء مجلس الأمن لاستخدام القوة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بعد استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية، فانحرف عن هدف معاقبة مستخدمي الأسلحة المحرّمة دوليًا، نحو قصف تنظيم الدولة «داعش» فقط.

وإنسانيًا؛ عجزت الأمم المتحدة عن فك الحصار عن العديد من القرى والأحياء المحاصرة على مدار خمسة أعوام مضت، وتلكأت في إلقاء المساعدات الغذائية والطبية جوًا للمحاصرين، كما قُصفت قوافل مساعداتها وقتل عشرات من موظفيها الإغاثيين دون أن تفعل شيئًا أكثر من الإدانة.


معضلة مجلس الأمن

http://gty.im/460782520

لم يكن الفيتو الذي أشهرته روسيا (ست مرات) ضد المدنيين العزّل في سوريا أول محطات إخفاق مجلس الأمن، فقد سبقها الفيتو الفرنسي في رواندا عام 1994، والذي قاد إلى إبادة جماعية بحق أقلية التوتسي على يد قبائل الهوتو المتحالفة مع باريس. أضف إليه الفيتو الأمريكي عام 2003 الذي حمى الإدارة الأمريكية من المساءلة عن فظاعات ارتكبت إبان احتلال العراق، ولا ننسى عشرات المرات التي حمى فيها مرتكبي جرائم الحرب الإسرائيليين.

وإن كان من الطبيعي أن تفقد الشعوب في المشرق إيمانها بمنظومة الأمم المتحدة، نظرًا لتخلي المجتمع الدولي عن إنصافها، فإن المثير اليوم أن أصوات غربية بارزة باتت توجه سهام النقد العلني للأمم المتحدة وتتهم المجتمع الدولي بالشراكة في فظائع الحرب في سوريا، كما فعل الرئيس الألماني يواخيم غاوك [2]، أضف إليه اعتراف بان كي مون المتكرر بالفشل والعجز في الأزمة السورية، وإقراره بأن مجلس الأمن أسهم في تحويل سوريا إلى دولة فاشلة [3].

وكنتيجة طبيعية عادت الحرارة إلى الأصوات الأكاديمية والقانونية التي تطالب بضرورة إصلاح الأمم المتحدة، واستثمار اللحظة الأخيرة من أجل إنقاذ النظام العالمي من الانهيار، وقد تزعّم الأمين العام السابق كوفي عنان الدعوات المطالبة بمنح القوى الدولية الصاعدة حق النقض داخل مجلس الأمن، بحكم أن قواعد اللعبة التي منحتهم العضوية الدائمة في أربعينيات القرن الماضي قد تغيرت [4].

وقد طرحت العديد من المبادرات لتوسيع عضوية مجلس الأمن من 5 أعضاء دائمين إلى 10، وجعل «الفيتو» غير ممكن إلا إذا وافق عليه اثنان، منعًا للوصول المتكرر لحالة الشلل الذي يعاني منها اليوم [5]، وللحد من تحوله إلى مسرح بلاغي يبدأ بكيل الإدانات للنظام السوري وحلفائه وينتهي بفيتو روسي وبكثير من الدماء على الأرض.

لكن مثل هذه الأطروحات تبقى حبيسة التداول الأكاديمي وعلى ألسنة الزعماء السابقين، في ظل عزوف الدول دائمة العضوية عن الإقدام على فتح ملف الإصلاح، والذي يشترط بالأساس موافقة الدول دائمة العضوية ذاتها! مما يعكس واقع الدوران في الحلقة المفرغة نفسها.

وفي الوضع الراهن، سيبقى التدخل تحت سقف مجلس الأمن من أجل وقف الحرب في سوريا (أو أي بقعة في العالم) يتطلّب توافق الإرادة السياسية للقوى الثلاث الكبرى في العالم؛ الولايات المتحدة وروسيا والصين، في ظل كون كل من فرنسا وبريطانيا عضوين في حلف الناتو، مما يحسم اصطفافهما إلى جانب الولايات المتحدة، مما يعني أن الأمم المتحدة تخسر المزيد من قدرتها على تأدية الدور الرقابي (الفوق – وطني)، وتتحول أكثر فأكثر إلى أداة وظيفية للساسة الكبار.

ونظراً لاتساع الخرق بين مواقف كل من موسكو وواشنطن، بات السلوك الروسي في مجلس الأمن أشبه بما كان عليه الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، مما يعني تعطيلًا شبه كامل لمجلس الأمن، ليس فقط في سوريا وإنما في أي نزاع دولي أو إقليمي قد ينشب مستقبلًا، وتقف فيه موسكو وواشنطن على طرفي نقيض.


الالتفاف على مجلس الأمن

وقد شهدت الساحة الدولية أوضاعًا مشابهة، فقد فيها مجلس الأمن قدرته على الوصول إلى إجماع. وقد حصل ذلك أول مرة عام 1950 حين عاكس الاتحاد السوفييتي إرادة الولايات المتحدة خلال الحرب بين الكوريتين (1950-1953)، مما دفع الولايات المتحدة باتجاه استصدار الجمعية العامة للقرار رقم 377 باسم «الوحدة من أجل السلام»، والذي يتيح مسارًا دوليًا لتخطي مجلس الأمن، وينص على:

«إذا فشل مجلس الأمن، بسبب غياب الإجماع بين الأعضاء الدائمين، في ممارسة مسؤوليته الأساسية في الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، وفي حالة وجود تهديد للسلام، أو خرق للسلام، أو عمل من أعمال العدوان، فإن الجمعية العامة سوف تنظر في المسألة على الفور، بهدف تقديم توصيات ملائمة للدول الأعضاء من أجل اتخاذ تدابير جماعية، بما في ذلك في حالة خرق السلام أو العمل العدواني، واستخدام القوة المسلحة عند الضرورة، للحفاظ على، أو استعادة السلام والأمن الدوليين».[6]

ويتطلب إصدار القرارات تحت هذه المادة التصويت بأغلبية الثلثين داخل الجمعية العامة (التي تضم جميع دول العالم). وقد تم تفعيل هذا القرار في 12 حالة؛ كان أولها عام 1951 لاحتواء عواقب غزو كوريا الشمالية لجارتها الجنوبية، كما استخدم ست مرات في قضايا تتعلق بفلسطين والشرق الأوسط، إضافة إلى نزاعات في كل من؛ هنغاريا، الكونغو، بنغلاديش، أفغانستان وناميبيا [7].

وبالتالي، فإنه من الناحية النظرية، بمقدور القوى الغربية تجاوز مأزق الفيتو الروسي، واتخاذ خطوات جدية من أجل إيقاف الحرب في سوريا، بما في ذلك جعل أي خطوات عسكرية ضد نظام الأسد شرعية وفق القانون الدولي، لكن إرادة من هذا النوع لم تتشكل لدى الأطراف المعنية، التي لجأت على الدوام إلى إلقاء اللوم على موسكو للتغطية على عجزها وترددها.

وفي ظل غياب الإرادة السياسية، وخضوع القانون الدولي للعبة السياسيين الكبار، فأكثر ما بوسع خبراء القانون أن يقدموه اليوم للسوريين، هو التوعية بأهمية العمل الحثيث على توثيق جرائم الحرب والانتهاكات بمختلف أشكالها، لتكون مادة بين أيدي الادعاء في أي محاكمة دولية، قد يخضع لها نظام الأسد حين تضع الحرب أوزارها، إذ إنه من الصعب اليوم الحديث عن دور للقانون الدولي في مسار إيقاف الحرب ما لم تتوفر الإرادة السياسية.

وحتى لا تكون النظرة مغرقة في السواد، فإن فوائد توثيق جرائم الحرب وأرشفة الوثائق وتصنيفها لا يقتصر فقط على تحقيق العدالة في سوريا ومنع إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، إنما يعكس أيضًا دورًا رادعًا يُضعف من فرص ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في بقع أخرى من العالم.

المراجع
  1. (الأمم المتحدة): الوضع في حلب أسوأ من مسلخ
  2. الرئيس الألماني يتهم المجتمع الدولي بالفشل الذريع في سوريا
  3. http://www.alarab.co.uk/article//61313/–:——–
  4. إنقاذ النظام العالمي
  5. UN must start standing up to Putin’s barbarism
  6. un.org/General Assembly
  7. Security Council Deadlocks and Uniting for Peace