دخلت الأزمة الليبية منعطفًا مهمًا هذه الأيام، قد يؤدي لتدخل دولي جديد في ليبيا، مع دعوة رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، المجتمع الدولي إلى التدخل في بلاده لوقف ما أسماه «الحرب الأهلية» في جنوب البلاد، وذلك على خلفية شن قوات الجيش الوطني برئاسة المشير خلفية حفتر، هجومًا على هذه المناطق بزعم محاربة الجماعات الإرهابية، مما قد يزيد الأوضاع تعقيدًا عما نشهده الآن.


تدخل حفتر بالجنوب يشعل صراعًا جديدًا

استعادت قوات الجيش الوطني منطقة «الهلال النفطي»، مرة أخرى منتصف مارس/آذار الماضي بعد أيام من سقوطها في أيدي مسلحين، سلموها إلى حكومة الوفاق الوطني، وبهذا استطاع حفتر تجديد الثقة في نفسه، واستعادة المورد الأساسي لليبيين، فمن يسيطر على النفط سيستطيع التحكم بالأوضاع في ليبيا، إلى جانب استمالة القوى الغربية لدعمه.

وسعيًا من حفتر لتأمين منطقة الهلال النفطي والسيطرة على جنوب البلاد، أطلق عملية «الرمال المتحركة» نهاية مارس/آذار الماضي، إذ مد المعارك إلى بلدة هراوة القريبة من مدينة سرت غربًا وإلى الجفرة جنوبًا، للسيطرة على قاعدة تمنهنت، وكذلك قاعدة الجفرة الجوية، التي تنطلق منها قوات ميليشيات «سرايا الدفاع عن بنغازي»، وتشكل خطرًا دائمًا على الهلال النفطي.

وإلى جانب منع الهجمات من محافظة الجفرة على منطقة الهلال النفطي، يرى مراقبون أن الجيش الوطني يرغب في السيطرة على كامل الجنوب الليبي، فقد سيطر على بلدة زلة الغنية بحقول النفط شمال شرق الجفرة، بالإضافة إلى قاعدة براك الشاطئ الجوية، وستكتمل تلك السيطرة بالاستيلاء على قاعدة الجفرة، لقطع الطريق بين قوات مصراتة شمالًا وبين الجنوب الليبي وقطع أي إمداد قد يصل أي قوات مناهضة هناك.

وتعتبر قاعدة تمنهنت الجوية، هي ثاني أكبر قواعد جنوب ليبيا بعد قاعدة الجفرة، إذ تحتوي على مطار لتسيير حركة النقل الجوية المدنية، بالإضافة إلى منشآت عسكرية ومخازن، وتقع على مقربة من مدينة سبها أكبر مدن الجنوب الليبي، أما الجفرة فتُمثل موقعًا حيويًا سيمكن الجيش الوطني من إخضاع الجنوب بسهولة، ودعم طلعاته الجوية إلى جانب وجود مؤيدين له هناك سيسهل من مهمة سيطرته على مناطق الجنوب.


هل يستجيب المجتمع الدولي للسراج؟

التصعيد العسكري المفاجئ وغير المبرر الذي بدأ بشن هجوم بالمدفعية الثقيلة والطيران على قاعدة تمنهنت، يضع البلاد على حافة حرب أهلية نعمل وكل المخلصين للوطن على تجنبها.

وجه رئيس حكومة الوفاق فائز السراج هذه الرسالة إلى أمين عام جامعة الدول العربية، وأمين عام منظمة التعاون الإسلامي، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، وأمين عام الأمم المتحدة، طالبًا التدخل لوقف «الحرب الأهلية» في الجنوب على خلفية تحركات خلفية حفتر نحو هذه المناطق.

وردًا على هذه الرسالة التي اعتبرت بمثابة دعوة للأجانب لاحتلال ليبيا، رفضتها العديد من القوى الليبية، فقد استنكر البرلمان الليبي طلب المجلس الرئاسي ووصفه بـ«غير الدستوري» قائلاً: «في الوقت الذي تسعى القوات المسلحة الليبية لبسط الأمن وفرض سيادة الدولة، يحاول المستفيدون من هذا الوضع المتمثلون بقيادة المليشيات وعصابات التهريب للبشر والمخدرات والسلاح، المتآمرون مع عصابات من المرتزقة الأجانب وقف ذلك».

وإلى جانب ذلك، عبر نائب رئيس المجلس الرئاسي علي القطراني، في رسالة للمجتمع الدولي أيضًا، عن رفضه لدعوة السراج للتدخل الدولي في الجنوب، محذرًا من استغلال ذلك كذريعة للتدخل العسكري الذي سيزيد المشهد تعقيدًا، مؤكدًا، أن المجلس الرئاسي يريد بذلك تعطيل تعديل اتفاق الصخيرات وتغيير تشكيل المجلس.

ودخلت حكومة الوفاق معركة تعتبر الأولى من نوعها ضد حفتر، فقد أعلنت وزارة الدفاع بحكومة الوفاق، يوم 9 أبريل/نيسان الجاري شن عملية عسكرية بعنوان «الأمل الموعود» لتحرير قاعدة براك الجوية الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني، وفك الحصار على قاعدة تمنهنت الجوية، التي حاصرتها قوات الوطني أيضًا.

واللافت في عملية «الأمل الموعود» أن رئيس حكومة الوفاق السراج، لم يصدر بيانًا يؤيد فيها هذا التحرك، ولكنه طالب بتحرك دولي لوقف الاشتباكات، مما يعني أنه لم يوافق على تحرك وزارة الدفاع التابعة له، فهو لا يريد التورط في حروب وإنما تحريك العملية السياسية لأنه إن دخل صراعًا عسكريًا فسيسخر، لأنه ليس لديه إمكانات عسكرية تؤهله لإخضاع البلاد.

ويوضح ذلك تصاعد الخلافات في الآونة الأخيرة بين السراج ووزير دفاعه المهدي البرغثي الذي يريد تحويل حكومة الوفاق إلى طرف في الصراع القائم بين الإسلاميين والجيش الوطني، وهو ما يرفضه السراج، ولهذا أقال البرغثي من مهامه كمنسق للمتابعة والاتصال مع لجنة العقوبات بالأمم المتحدة.

وفي معركتها ضد قوات الجيش الوطني، تسعى حكومة الوفاق لاستمالة القوى الغربية في صفها، حيث لا يزال المجتمع الدولي يعترف بها ويدعمها، ففي 5 أبريل/نيسان الجاري، التقى السراج قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم»، توماس والدهاوسر، وطلب منه مساعدات أمريكية لتطوير القدرات العسكرية الدفاعية للقوات الليبية.

ومن المستبعد حاليًا أن يقدم أي طرف دولي مساعدة عسكرية للوفاق، لأنها لن تقدر على الصمود عسكريًا، وبالتالي قد تحصل على دعم سياسي عن طريق فرض عقوبات على معرقلي العملية السياسية، وهذا مستبعد أيضًا لوجود خلاف بين القوى الكبرى حول تعديل اتفاق الصخيرات وكذلك تشكيل حكومة الوفاق.


لا جديد في الموقف الدولي

خوفًا من تطورات الأوضاع في جنوب ليبيا، حذر أعضاء مجلس الأمن الدولي في اجتماع لهم يوم 19 أبريل/نيسان الجاري، من اندلاع حرب أهلية في الجنوب، واستغلال الجماعات الإرهابية لما يدور هناك والتمدد في الأراضي الليبية، وإلى جانب ذلك تتخوف بعض القوى من تأثير الصراع على الموارد النفطية هناك لما له من إضرار بمصالحها.

وأكد مندوب بريطانيا الدائم خلال كلمته بمجلس الأمن أن الوضع في جنوب ليبيا قد يؤدي لحرب أهلية، داعيًا للحفاظ على حيادية الموارد النفطية في ليبيا، ومجددًا دعم بلاده لحكومة الوفاق ورفض أي محاولة لإجهاض «اتفاق الصخيرات» السياسي.

أما مندوب فرنسا والولايات المتحدة فأكدا قبولهما تعديل اتفاق الصخيرات، رغم إقرارهما بدور حكومة الوفاق في حفظ الأمن، فيما صرح مندوب مصر بأن بعض القوى الإقليمية تلعب دورًا هدامًا في ليبيا، وأوضح أن «القضاء على الإرهاب في ليبيا يحتم قيام جيش وطني يضم كل القوى»، ولم يكشف مندوب القاهرة عن أسماء القوى المتهمة بزعزعة الأوضاع في ليبيا.

وبالنسبة إلى موسكو فقد شدد المندوب الروسي على ضرورة «عدم تهميش الجيش الوطني»، معتبرًا أنه «يمكن أن يشكل في المستقبل نواة للقوات المسلحة» الليبية.

وبالنظر إلى بيانات أعضاء المجلس السابقة وغيرها، تؤكد أنه لا جديد حتى الآن في الأزمة الليبية، فقد اكتفت بكلمات الدعم والدعوة للمصالحة، ولم تفرض أي عقوبات على المتسببين في الاشتباكات الدائرة الآن في الجنوب، مما يؤكد أنه ما زال الخلاف يسيطر بين هذه القوى حول مصير التسوية، وبالتالي من المرجح أن تستمر اشتباكات الجنوب ولكنها ستصب في صالح الجيش الوطني وداعميه.


أحداث الجنوب تنهي الاتفاق السياسي

مثلت الاشتباكات الدائرة في الجنوب حتى الآن أحد المسامير التي تدق كل يوم في نعش «اتفاق الصخيرات»، والذي أصبح مجرد بيان سياسي، فلم تستطع حكومة الوفاق أن تنفذ منه شيئًا حقيقيًا، بل سحب البرلمان المعترف به دوليًا اعترافه بحكومة الوفاق، ورغم ذلك ما زال المجتمع الدولي يعلن تأييده لها.

وبما أن المعارك الدائرة حاليًا بين قوات حفتر والوفاق تعد الأولى من نوعها، رغم توافقهما في البداية وعدم اعتراض الوفاق على تحرير قوات الجيش الوطني للهلال النفطي، قد تنسف ما تبقى من الحد الأدنى من المشاورات السياسية، وسيعمق ذلك من حالات الصراع، فقد تستغل بعض القوى الخارجية هذا الصراع وتتدخل لدعم طرف على حساب طرف مما يعقد الأمور أكثر مما هي عليه.

وستخصم دعوة السراج المجتمع الدولي للتدخل في جنوب ليبيا من شعبية حكومته، وستستغل الحكومة المؤقتة الداعمة لقوات الجيش الوطني برئاسة حفتر هذا الموقف، لتضع الوفاق في خانة الداعين لفتح باب التدخل في ليبيا، وهو ما سيصعب عليها مهمتها في عموم البلاد والآن في الجنوب، فقد رفضت القبائل والمؤسسات الشعبية في الجنوب دعوة السراج الصريحة للتدخل الدولي.

وفي حال كسب الجيش الوطني لمعركة الجنوب، فإنه بذلك سيكون سيطر على أهم مناطق البلاد، وبالتالي سيكسب المزيد من الشرعية داخليًا وخارجيًا، حتى وإن لم تكن شعبية أو مقبولة سياسيًا وإنما بحكم قوته وسيطرته.