ترددت في الأسابيع الأخيرة أحاديث عن تشكيل تحالفات عسكرية جديدة في المنطقة، وتحديدًا دار الحديث عن تحالف إسلامي لمواجهة المخاطر المستجدة في المنطقة وعلى رأسها الإرهاب والخطر الإيراني، وعلى جانب آخر أيضًا ترددت أحاديث عن تطوير العلاقات المصرية الأوروبية لتشكل مصر حليفًا إقليميًا جديدًا قادرًا على التصدي لمخاطر الإرهاب والهجرة وتفكك دول المنطقة.لاحقًا، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الخميس الماضي الموافق 16 من مارس/ آذار 2017 القرار الجمهوري رقم 116 لسنة 2017، والذي نص على إنشاء بعثة مصرية دائمة لدى حلف الناتو، ليشكل أساسًا لتعاون عسكري قادم بين مصر والحلف الأطلسي. تاريخيًا، حافظت مصر على علاقات جيدة مع حلف الناتو ودوله كـ«حليف» غير عضو بالحلف العسكري، ولاحقًا أُدرج التعاون في إطار مبادرة الحوار المتوسطي التي بدأت مشاوراتها في 1994 وتم إعلانها في 8 فبراير/ شباط 1995، الأمر الذي أتاح لها طرح أي مبادرات أو تصورات تخص الأمن اﻹقليمي في الشرق الأوسط، وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن موقف المؤسسة الدبلوماسية المصرية التقليدي يرفض الانضمام الرسمي لأي حلف عسكري، فما الذي يعنيه إذن هذا القرار؟، وما هي أبعاده ودوافعه؟بحسب مُحلّلين، فإن القرار يُعطي مصر صلاحيات رسمية واسعة لطرح رؤيتها الإستراتيجية حول المخاطر المتعلقة بالتهديدات الخاصة بالأمن القومي العالمي والإقليمي، ويمنحها صفة المُشاركة في وضع تصوراتها بشكل رسمي على مائدة الناتو. القرار سيُتيح أيضًا مشاركة القاهرة في صَدّ أية تهديدات تتعلق بالسلم والأمن الدوليين، كما سيُتيح لها فرصة المشاركة في أي برامج أو خطط يتم وضعها في هذا الإطار.بدأ الأمر مع «هشام بدر»، مساعد وزير الخارجية المصري، والذي كشف نهاية الشهر الماضي إقرار تمثيل دبلوماسي مقيم لبلاده لدى حلف شمال الأطلسي لأول مرة، وهو الأمر الذي يسمح للقاهرة بأطر أوسع لطرح محددات رؤيتها حول التحديات القائمة في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.لاحقًا، بدأت بوادر الاتفاق الثنائي تظهر في لقاء مشترك جمع محمود حجازي، رئيس الأركان المصري، مع رئيس اللجنة العسكرية بحلف شمال الأطلسي (الناتو) بيتر بافل، وكان على رأس القضايا التي بحثها الطرفان الموقف في ليبيا والدور المصري، ومقاومة التطرف والإرهاب والجهود الدولية لمواجهته وأهمية التنسيق والتعاون وتضافر الجهود في هذا المجال.


ولكن، ما أبرز التحديات المشتركة بين حلف الناتو ومصر؟

تبدو أزمة اللاجئين هي المحرك الرئيسي الآن للسياسة الداخلية والخارجية لأوروبا، فمع آلاف اللاجئين الذين ينتهى بهم المطاف في شواطئ أوروبا، سواء من الجانب الأفريقي أو من منطقة شمال تركيا، فأوروبا باتت بحاجة لتطوير إستراتيجية مستدامة تكفل لها القضاء على هذا الخطر الذي تراه وجوديًا.مصر البوابة الأكبر في شمال أفريقيا من حيث تعداد السكان، وبجانبها ليبيا الغارقة في الفوضى، دفعا السيسي مرارًا وتكرارًا إلى التلويح بأن عدم استقرار الأوضاع في مصر كفيل بأن يغرق أوروبا بملايين المهاجرين، كما دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى تقديم برامج دعم مالي لمشروعات السيسي في سبيل وقف موجات الهجرة غير الشرعية التي تعاني منها ألمانيا وأوروبا، ودعا السيسي في أغسطس/ آب 2014 الدول الأوروبية لضخ استثمارات في الدول المُصدّرة للهجرة غير الشرعية لحل المشكلة.الدكتور أيمن سلامة -المستشار القانوني السابق بحلف الناتو- قال، في تصريحات صحفية: إن التطور الأخير في علاقات السيسي بحلف الناتو يُتيح لمصر طرح أية مبادرات أو تصورات تخص الأمن اﻹقليمي في الشرق الأوسط، خاصة أن المنطقة، وبعد ثورات الربيع العربي، أصبحت الأكثر تهديدًا لسياسات الناتو والدول المُنضمة له.يبدو إذن أن السيسي يفرض نفسه وبقوة على أجندة التحركات الأوروبية في المنطقة، ويطرح نفسه كصمام أمان وقوة إقليمية لمجابهة التحديات المتعلقة باللاجئين في شمال أفريقيا، يمكننا أن نفهم ذلك أيضًا إذا أشرنا إلى التطورات الواسعة التي شهدها الأسطول البحري المصري عن طريق انضمام حاملات الطائرات من طراز الميسترال إلى صفوفه، وهي سفن يمكن أن تساهم في عمليات إنزال بحري واسعة أو أن تكون جزءًا من قوة تدخل عسكرية سريعة.


الأزمة الليبية: ورقة جوكر أم معضلة في الطريق؟

هنا تختلف الرؤية المصرية عن رؤية حلف شمال الأطلسي تمامًا، ومنذ بداية تدخل الحلف في ليبيا وإلى الآن، يدعم الحلف صراحة جهود الأمم المتحدة لحل الأزمة والممثلة في حكومة الوفاق في طرابلس برئاسة فايز السراج، وعلى الجهة المقابلة تدعم مصر ما تسميها حكومة طبرق والجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، حيث توفر مصر كلاً من الدعم السياسي والعسكري لفريق طبرق في اختلاف تام مع سياسة الناتو. وهنا تأمل مصر في أن يكون لوجودها داخل الناتو دور في تغيير رؤية الناتو للأزمة، ولكن يبدو هذا الأمر وإلى الآن مستبعدًا بشدة؛ ففي البيان الذي أصدره الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرج، بخصوص قرار إنشاء بعثة دبلوماسية مصرية دائمة بالحلف، أكد ستولتنبرج أن القرار سيعزز التعاون والشراكة بين الناتو ومصر. وقال «ستولتنبرج» في بيان: «التقيت مؤخرًا مع وزير الخارجية المصرية، واللقاء كان جيدًا وبناءً»، وأشار إلى أن «ناتو» يبحث مع مصر تعزيز العمل المشترك.وأكد «ستولتنبرج» في بيانه: «عندما التقيت مع وزير الخارجية ناقشنا أيضًا الوضع في ليبيا نتيجة لقرب مصر ودورها المهم، وأعربت عن استعدادنا للمساعدة في بناء الهياكل والمؤسسات الدفاعية في ليبيا». وهنا أضاف ستولتنبرج: «لكننا نؤيد بشدة جهود الأمم المتحدة في محاولة إيجاد حل تفاوضي وحل سياسي، لذلك فإن الحوار السياسي هو جزء هام من الشراكة، وسيتم تعزيز الحوار السياسي بين البعثة الدبلوماسية المصرية الجديدة لحلف شمال الأطلنطي».تأتي هذه الخطوة أيضًا في ظل تباعد كبير بين تركيا وحلف الناتو وصل إلى ما يمكن وصفه بالجفاء في العلاقات بين الحليفين، فهل يسعى الناتو من خلال هذه الخطوة إلى إثارة استفزاز الجار التركي، أم أن الوجود المصري داخل الحلف أصبح ضرورة في ظل التهديدات المتزايدة للوجود الأوروبي؟.وبحسب القرار المصري، فلن يكون للقاهرة تحركات عسكرية مع دول حلف الناتو، بل يقتصر الأمر على أن يكون لها حضور مكثف في اجتماعات الحلف وتقديم المعلومات الاستشارية، وتبادل الرؤى في الملفات المتعلقة بقضايا المنطقة وأفريقيا والتنسيق الأمني، وبالتالي تكون مصر على مقربة من مركز صنع القرار في الناتو، وستمتلك القاهرة بالتالي حق الضغط للمشاركة والتنسيق في الملفات التي تراها جزءًا من أمنها القومي.في النهاية؛ يأتي هذا القرار في ظل ترتيبات سياسية وإستراتيجية يخطط لها حلف الناتو لإعادة الترتيبات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، ويبدو أن القاهرة تخطط لفرض نفسها على المشهد الإقليمي بما اكتسبته في الشهور الماضية من قدرات عسكرية متنامية، ولكن يظل الوضع الاقتصادي للبلاد عائقًا أمام دور واسع للجيش في المشهد الإقليمي. فهل يقدم الناتو وأوروبا دعمًا ماليًا متزايدًا للقاهرة لإخراجها من أزمتها المالية في مقابل أن تمثل القاهرة حائط صد متقدم لحماية السواحل الأوروبية؟