بشكل خاص -نحن
المجتمع الإسماعيلي، لا يجب أن نعيش خارج حقائق عالمنا، يجب على العكس أن نستوعبها وأن نجعلها تعمل لصالحنا والاستفادة منها، وإن كانت هناك ثمة أنظمة منظمات المجتمع البشري اليوم تعمل بشكل جيد أو بأي حال أفضل من غيرها. سنكون نوعاً ما قليلي الذكاء كي لا نقول أكثر إن لم نحاول معرفة ما الذي نستطيع تعلمه، ماذا نستطيع أن ندمج، ماذا نستطيع أن نغير لأننا لسنا في حاجة لأخذ كل شيء. يجب أن نأخذ فقط ما نحتاجه وهنا تبدو لي هذه العلاقة مع الغرب مهمة فالإنسان لا يضيع هويته ولا يضيع دينه.

الأغاخان الرابع «كريم الحسيني» في حديث تلفزيوني على المؤسسة اللبنانية للإرسال عام 2001

لقد كنا بدأنا الحديث ضمن هذه السلسلة المخصصة لي ماضي وحاضر للأغا خانية الإسماعيلية في جزئها الأول باستعراض وجيز للعوامل التاريخية التي لعبت دورا في نشأة المذهب الإسماعيلي، فلا بأس أن نعرج على تلك العوامل مرة أخرى وأخيرة ونحن نختتم معًا حكاية الأغا خانية وقبل أن نشرع باستعراض المنظومة المعرفية للأغا خانية والصورة الذهنية التي تشكلت عنهم من خلال المرويات التاريخية وأدوات التأثير الحديثة.

فهناك في البداية تشابه كبير لا تخطئه العين بين لحظة ميلاد المذهب الإسماعيلي ككل وميلاد المذهب النزاري المتفرع عنه – الذي سيتسمى فيما بعد بالأغا خانية – وهو ما كنا سميناه في الجزء الأول بلحظة التشظي الإسماعيلي – أي بموت إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق، ووريثه بالإمامة في حياة أبيه، ورفض الإسماعيليين لتولية أخيه موسى؛ لاعتبارهم أن الإمامة أمر الله وأمر الله لا يغير.

وقد توالت الانشقاقات الإسماعيلية بعد ذلك لنفس السبب، ففي العهد الفاطمي، زعم الحسن بن الصباح – المؤسس الإيديولوجي والعسكري للحركة النزارية الإسماعيلية – أن الخليفة المستنصر الفاطمي، أوصى بالعهد في حياته لولده نزار، ولما أرد الحسن بن الصباح، أن يثبت الولاية لنزار أقام لها أساساَ كالأساس الذي قامت عليه الدعوة الإسماعيلية الذي قامت عليه الدعوة الإسماعيلية من مبدئها.[1]

وهو من ذكاء هذا الرجل الطموح، الذي ولد جعفريًا، وطلب العلم في معاهد علم أهل السنة في نيسابور، وللحديث عنه موضع آخر في هذا المقال.


المنظومة المعرفية للأغا خانية

للإسماعيليين منظومتهم المعرفية المتقدمة منذ عهد القلاع التي لم تكن مسرحًا للتدريبات الانتحارية فقط، بل كانت أيضًا معاهد علمية تخصصت في الأدب والعلوم وظل الإسماعيليون أكثر الطوائف الشيعية اهتمامًا بالمعرفة وسبل تحصيلها، وقد بدأت الأغا خانية منذ هجرة الأغا خان الأول «حسن علي شاه» إلى مومباي الهندية الاهتمام بسلاح التعليم، وحفز برسائله الروحية وفرماناته أبناء طائفته على التعلم الجيد وبناء المدارس.

وشهدت هذه المنظومة تطويرًا ملحوظًا في عهد الأغا خان الرابع، فولد حقل معرفي جديد سمي بـ«الدراسات الإسماعيلية»، ويتولى السهر عليها معهد الدراسات الإسماعيلي في لندن، الذي قام الأغا خان بتأسيسه عام 1977 ويرأس هذا المعهد شخصية أكاديمية من خارج الطائفة الإسماعيلية، وهو الدكتور فرهاد دفتري، إضافة إلى الاهتمام بفن العمارة والأكاديميات المعرفية.

أولا: الدراسات الإسماعيلية

اعتبر الإسماعيليون أنفسهم للفترة طويلة ضحية دعاية سوداء، شنت ضدهم، انبرى لها مخالفوهم في العقيدة، وخصوصا كتاب الفرق في العصر الوسيط من السنة والجعفريين على حد سواء وأعدائهم من مؤرخي الحملات الصليبية. الذين أغاظهم كما يقول الإسماعيليون بسالتهم في المواجهة، ومهما تكن الأسباب للحقيقية لما كتب عن هذه الطائفة وهو بالطبع مشتمل على العديد من الخرافات وبعض الحقائق.

غير أن حقل الدراسات الإسماعيلية شهد إبان عقود قريبة ثورة تعود إلى استعادة مصادر إسماعيلية أصلية على نطاق واسع ودراستها، باللغة العربية والفارسية والهندية.[2]

ثانيا: الجامعات والأكاديميات

تمتلك الأغا خانية مجموعة من الجامعات والمعاهد لعل أشهرها جامعة الأغا خان في باكستان المختصة بالطب والعلوم الصحية المؤسسة عام 1983، وهي إحدى أكبر الجامعات في العالم، ويوجد لديها أكثر من 11 مقرًا في بلدان مختلفة من العالم.[3]

أما على صعيد الأكاديمي فقد افتتح الأغا خان عددًا من الأكاديميات من أوائلها أكاديمية الأغا خان في ممباس بكينيا عام 2003،وأخرى قيد الإنشاء في مابرتو وحيدر آباد في الهند وتوفر هذه الأكاديميات التعليم والمنح للطلبة الاستثنائيين من جميع الخلفيات.

ثالثا: أمانة الأغا خان للثقافة

أنشئت عام 1988 في جنيف وكان هدفها الترويج للوعي بأهمية البيئة العمرانية في السياقين التاريخي والمعاصر والسعي من أجل التميز في العمارة. ويرى البعض أن الأغا خان الرابع قد كرس موارد ضخمة للترويج لما سماه «فهم أفضل للإسلام» ليس باعتباره دينًا فقط، ولكن أيضًا حضارة، ومن صلاحياتها منح جائزة الأغا خان للعمارة[4]والتي يحرص الأغا خان على منحها بشخصه.


الصورة الذهنية عن الإسماعيليين

لعل ما يلصق بهذه الطائفة الشيعية تحديدًا وما يروج عنها، تختلط فيه الأسطورة بالحقيقة، لدرجة يصعب أن يجلي معه أحد هذه الصورة، وخصوصًا حول مرحلة قلعة ألموت «حصن الحشاشين» وما جرى فيها.

لعله لا يوجد خلاف حول الدموية التي انتهجها شيخ الجبل «الحسن بن الصباح» في مواجهة الخصوم الكثيرين آنذاك من سلاجقة وصليبيين، وأنه كان له فتيان مطيعان.

غير أن الصورة الوحيدة التي نقلت عن تلك المرحلة كانت من خلال الرحالة الإيطالي «ماركو بولو» في القرن الثالث عشر للميلاد، الذي تحدث عن أدوات التأثير التي استخدمها حسن الصباح، وبخاصة حدائقه الغناء ونساؤها الجميلات، وكان يدير عليهم دواخين الحشيش الذي كان قد تعلم سره من أساتذه ابن عطاش، ويقنعهم برؤية الجنة عيانًا من خلال ذلك.

وظل الإسماعيليون طوال تاريخهم ينفون ذلك، ودليلهم أن أيًا من المؤرخين المعاصرين لابن الصباح لم يتكلم عن تلك الجنة المخفية في «ألموت»، وهو ما وافقهم فيه الكاتب المصري الكبير عباس محمود العقاد في ترجمته لحسن الصباح حيث يقول[5]:


كيف يقدم الإسماعيليون أنفسهم للعالم؟

نحن نستبعد جدًا أن يكون للجنة المزعومة أصل في قلعة «الحسن بن الصباح» فإن التكذيب أرجح من التصديق في كل خيط من الخيوط التي نسجت منها القصة، ذلك الشيخ الراهب المريب. إن حسن الصباح كان معروفًا بالصرامة والشدة على نفسه وعلى أتباعه، وكان يتنسك رياضة أو رياء أمام أتباعه، ولم يكن من اليسير في تلك القلاع المنفردة أن يخفي أمر القيان ومجالس الراقصات والغناء

يحرص الإسماعيليون الأغا خانيون، اليوم على تقديم أنفسهم كجماعة مسلمة شديدة التعلم ومتصالحة مع مجتمعاتها، ولعل الوثيقة التي لدينا هي مقابلة أجراها الأغا خان والإمام الحالي للطائفة الإسماعيلية مع قناة «إل بي سي اللبنانية» بعيد أحداث 11 سبتمبر في قلعة حلب السورية عام 2001 في شهر تشرين الثاني.

حيث عدد فيها موقف طائفته من قضايا الفقر والسياسة والإرهاب والتنمية، وتحدث عن تعدد الزوجات الذي لم يعد مطروحًا في طائفته، بل الحديث أصبح حاليًا عن مواجهة الإنجاب خارج مؤسسة الزواج، والزواج المدني والهوية، وهي وثيقة تاريخية مهمة جدًا لمزيد من الدراسة للهذه الطائفة[6].

وختامًا يحتم علي وفاء الرجال للرجال، وأنا أختتم السلسلة، أن أتوجه بالتحية والإهداء للصديق العزيز الأستاذ «أمجد نعيم مريم» إذ كان لحلقات النقاش التي كنا نجريها سويًا الأثر الكبير في خروج هذه السلسلة بشكل متوازن (كما أزعم)،إنما لك أيها القارئ وله أهدي هذه السلسلة.

المراجع
  1. عباس محمود العقاد، موسوعة شخصيات إسلامية ، ص131،دار الكتاب العربي، بيروت لبنان
  2. فرهاد دفتري، تاريخ الإسماعيليين الحديث، ص8، ترجمة: سيف الدين القصير دار الساقي.
  3. مقال ماليس روثفن، شبكة الأغا خان للتنمية ومؤسساتها
  4. أنظرفرهاد دفتري، معجم التاريخ الإسماعيلي، دار الساقي
  5. عباس محمود العقاد، المصدر السابق، ص 135
  6. ismaili.net/intervue/lbc/lbcarabic.doc(6)- نص المقابلة: