أفريقيا؛ تلك القارة المظلومة، التي كانت تعاني وتأن تحت ظلم الانقلابات العسكرية والحروب العرقية، يبدو أنها بدأت تأخذ طريقها نحو النور بعد أن صبرت كثيرًا على الظلم والجهل والإفقار وسرقة ثرواتها إلى الدول الاستعمارية الأوربية، وعلى النزاعات العرقية التي فجرتها سياسات ديكتاتوريي القارة، واستثمرت فيها لتكون سبيلهم للبقاء في سلطة مدى الحياة.

يبدو أن الإنسان الأفريقي أصبح يبصر طريقه نحو الحياة الديمقراطية ويتمتع بالوعي، فقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي العالم وحلم التغيير السياسي الذي كان يحتاج لعقود وأجيال ليتحقق، أصبح لا يحتاج أكثر من «جروب» في «واتساب» و«إيفنت» في «فيسبوك» و«هاشتاج» في «تويتر» ووسائل الإعلام التقليدية من «تلفزيون» و«راديو» وصحف، التي فقدت تأثيرها في عالم اليوم لصالح الإعلام الجديد والذي هو بطابعه إعلام شعبوي ومتطرف.


خسارة الديكتاتور الذي يرفض الرحيل!

http://gty.im/468590327

قبل أيام أعلنت مفوضية الانتخابات في غامبيا فوز مرشح المعارضة «آدم بارو» على الديكتاتور «يحيى جامع» الذي حكم غامبيا 22 عامًا متواصلة. هذا الفوز تم في انتخابات اتسمت بقدر كبير من النزاهة بعد أن سئم الشعب الغامبي تصرفات ديكتاتوره، الذي جعل غامبيا تتذيل الدول الأفريقية في المؤشرات الاقتصادية والتنموية، وأفسد علاقتها مع كل دول العالم، وخصوصًا جارتها الشمالية السنغال، التي اتهمها جامع أنها متورطة في الانقلاب العسكري ضده.

وكذلك تدمرت علاقات غامبيا مع الاتحاد الأوروبي والغرب؛ بسبب انتهاكاته الواسعة لحقوق الإنسان، وإثارته للفتن القبلية، خصوصًا مع قبيلة «مانديكا». وهذا التدهور هو ما دفع جامع ليعلن غامبيا دولة إسلامية، ويعلن انسحابه من المحكمة الجنائية الدولية. وكانت الطامة الكبرى عندما أعلن جامع عن رغبته في أن يحكم غامبيا لمليار سنة، فتوحد شباب غامبيا كلهم من أجل إسقاط هذا الطاغية المجنون.

و بعد هذا الانتصار الكبير للديمقراطية والديمقراطيين، وهزيمة للديكتاتورية، يحاول الآن يحيى جامع أن يقلد الطاغية موغابي وكيباكي ولوران باغبو، بأن لا يسلّم السلطة للرئيس الفائز في الانتخابات بحجة انتهاكات واسعة في العملية الانتخابية تستوجب إعادتها، رغم أنه من المنطقي أن الانتهاكات في العملية الانتخابية دائمًا ما تحصل من جهة السلطة لا من جهة المعارضة؛ ولذلك فيجب على مجلس الأمن والسلم الأفريقي أن يرسل رسالة واضحة إلى جامع أن ألاعيبه الأخيرة مرفوضة، وأن عليه أن يلتزم بتسليم السلطة للرئيس الجديد.


غانا: تجربة ديمقراطية متكاملة الأركان

http://gty.im/613797716

وفي غانا، في غرب أفريقيا، تجربة ديمقراطية جميلة لتداول السلطة، حيث فاز حزب المعارضة «الحزب الوطني الجديد» على حزب السلطة «المؤتمر الوطني الديمقراطي» في انتخابات مبهرة وشفافة؛ ليحصل تداول رائع للسلطة بين الحكومة والمعارضة، حيث فاز الحزب الحاكم لأول مرة في 1992م وفازت المعارضة في عام 2000 ليعود حزب المؤتمر ويفوز في انتخابات 2008م في جولة الإعادة بعد ثمان سنوات، وها هي المعارضة ممثلة في الحزب الوطني تفوز وتأخذ مقعد الرئاسة من الحزب الحاكم عنوة واقتدارًا في تجربة ديمقراطية راقية جدًا و متقدمة على مستوى أفريقيا والعالم الثالث.

الجميل في تجربة غانا هو موقف الفاعلين السياسيين الواضح، والرافض لأي محاولة للعب بالأوتار القبلية والطائفية، فقد عبر عن ذلك مرشح المعارضة «نانا آدو» بكلمات رائعة وبسيطة: «لن أتأثر بالكذب والنفاق الذي يمارسه حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي الحاكم، الذي يديره الرئيس ماهاما، قبل أيام من الانتخابات. الحزب الحاكم يوجه آلته الانتخابية الإعلامية ليؤلب القبائل ضدنا، إنه يكذب حين يقول إننا نكره الشماليين على الرغم أن نائبي من شمال البلاد!. إنهم يكذبون حين يقولون إننا سنطرد المسلمين من منطقة زونغو بشمال البلاد!، إن ذلك كذب و كذب حقير!. لن نقع ضحية لمن يريد أن يقسمنا. نحن أمة واحدة وبلد واحد، كلنا أمة واحدة (المامبوروسي والداغارتي والفرافرة والاشانتي والايوي والغا والفانتي والكواهو والاكويم والنيزما والاهانتا)، كلنا أمة واحدة وكلنا غانيون. لنستغل طاقاتنا لننهض بغانا إلى الأمام. لنتوقف عن كل ما من شأنه أن يقسمنا، ولنتوقف عن السياسة الانقسامية. أيها الغانيون انتخبوا حكومة تعمل على رفع مستوى معيشتكم». بينما يعلن رئيس غانا مهاما بشكل واضح أنه إن فاز سوف يحتفل وإن خسر سوف يهنئ الفائز ويحتفل بديمومة الديمقراطية في غانا والانتقال السلمي السلس للسلطة.


من عادة عرب شمال أفريقيا النظر باستعلائية نحو دول جنوب الصحراء الأفريقية، حيث يظن عرب الشمال أنهم ولأنهم سبقوا هذه الدول في اكتشاف الحضارة فهم أفضل منهم، فيقول لك القائل نحن أبناء حضارة الفراعنة وقرطاج وكوش في سالف الزمن وأبناء حضارة ابن خلدون وابن الهيثم وابن رشد في قرون العالم المظلمة؛ وبالتالي فنحن نتفوق على أفريقيا.

ولكن هذه النظرة الحمقاء مخطئة فيما يبدو لي، فأفريقيا لم تعد أرضًا متخلفة، والحضارة الإنسانية وصلت إلى أفريقيا، وأصبح للأفارقة صوت مسموع في العالم بعد أن تكتلوا في الاتحاد الأفريقي، وبعد أن ذاقوا ويلات الانقلابات والديكتاتورية عرفوا فضيلة الشورى والديمقراطية فساروا نحوها بينما لا نزال نبكي على أطلال تلك الحجارة الجميلة التي تزين متاحفنا ونتكبر بها على الناس.

أتمنى أن نستفيد كمراقبين وكشعوب من جمال هذه المشاهد الانتخابية في أفريقيا السمراء، وأتمنى أن تصيبنا بالغيرة والعدوى لنرى مثلها في بلادنا. صندوق انتخابي شفاف وتداول سلمي للسلطة بدون مظاهرات أو اعتصامات أو جمع استمارات التمرد على الرؤساء، وأن لا ننتظر نصرة الديمقراطية من أوروبا وأمريكا والغرب الذي لا يدعو لتطبيق هذه المعايير إلا إذا اتفقت مع مصالحه، ونتعلم من تجربة التغيير في أفريقيا أن توعية الناس بأهمية الديمقراطية هي أفضل السبل لحمايتها من نزوات العساكر والجنرالات.