الحلقة الأولى: شاديالحلقة الثانية: جودتالحلقة الثالثة: رافان


4- جودت

هكذا بدأ الإلهام يولد.

كنت أجلس هنالك في الكافتيريا أدخن في نهم، ولا تتوقف أناملي عن قرع مفاتيح اللاب توب. هناك طريقة سرد مشهورة، تبدأ بالذروة ثم نتراجع للخلف في فلاش باك؛ لنفهم كيف حدث هذا. يطلقون على هذه الطريقة:

In medias res

كأن ترى مشهد قتل اللص في بداية الفيلم، ثم تبدأ التترات ونعرف مع تطور الأحداث كيف قام بجريمته، حتى نصل لمشهد القتل الذي بدأنا به. وهكذا قمت أنا بمعالجة مشهد مقتل فيروز الذي بدأت به القصة، فصارت للقصة خلفية وأبعاد.

الشقيقات إمبوسي القادمات من العراق وعليهن الوفاء بعهد الدم. ويمكنني بالطبع أن أعرف أن نازدار مجنونة تمامًا.. لا أحد يصدق القصص المماثلة عن ليليث وجاجاميش..

لكن هذا الجنون سوف يدفعها دفعًا إلى أن تكون قاتلة..

ماذا سيحدث بعد هذا؟

رحت أتأمل سحب الدخان، ثم ألقيت نظرة إلى الفتاتين الجالستين عن قريب.. كانتا جميلتين بشكل واضح، وقد تدفقت الهرمونات في دمي بشكل عابر لبضع دقائق.. واحدة منهما قوية الشخصية حادة التقاطيع، أما الأخرى فدمية رخوة ساذجة..

كانتا تتلفتان حولهما، وفي العيون الجميلة قلق وتوتر.. تخشيان شيئًا أو تنتظران شيئًا..

هناك شاب مكتنز العضلات من مرتادي (الجيم) كما هو واضح، يتسلق الدرجات قادمًا من الطابق الأسفل.. لاهثًا من فتحتي منخريه كثور، يتقدم إلى المائدة التي تجلسان عليها..

يجلس ويشعل لفافة تبغ قبل أن يلتقط أنفاسه.. ثم يقول:

-«لا شيء.. لا أثر..»

ضربت الفتاة الساذجة خدها بكفها وهتفت:

-«لابد من جواب!»

نفث الفتى سحابة دخان كثيفة من منخريه ثم قال:

-«بالفعل لا أثر .. أعتقد أن إبلاغ الشرطة صار واجبًا.. والآن يجب أن تأكلا شيئًا.. منار»

قالت الفتاة الحادة:

-«مستحيل .. لا أستطيع ابتلاع لقمة واحدة.. كأن فُمّ معدتي مسدود بالخرسانة»

التفت نحو الفتاة الأخرى وكرر عرضه، فتقلص وجهها.. لا.. شكرًا..

-«رزان .. يجب أن تأكلي شيئًا لتتمكني من الصمود..»

-«مستحيل»

رزان .. اسم جميل يناسب الفتاة فعلاً.. الناس القلقون في كل مكان، لكن لدي مشكلتي الخاصة وعلي أن أكتب الخطوط الأساسية لما سيحدث بعد هذا.. لا وقت لمراقبة الجميلات..

دفنت وجهي في شاشة اللاب توب وواصلت الكتابة…


5- شادي

فيروز يجب أن تموت..

نازدار يجب ان تموت..

رافان يجب أن تموت..

أعرف أنك تتهمنني بالجنون، فهذه كلمات لا يمكن أن يتلفظ بها شخص عاقل.. أنت تعرف أنني أهيم حبًا بفيروز. هي الأولى والأخيرة، ومنها يتدفق نهر الحياة ليغسل غابة أيامي المغبرة… لا أستطيع أن أكتفي من فيروز، أو أقنع بما أنال منها. لو أنني صنعت لها بيتًا في الضلوع حبستها فيه فلن أقنع بهذا، ولكننا في لحظة نحتاج إلى أن ندمي قلوبنا بأيدينا.. هناك من يقطعون شرايين أيديهم ويراقبون الدم الأحمر المتدفق في بلاهة..

قد بدأت أوقن أن (فيروز) وأختيها شيطانات… ومعرفة هذا قد اقتضت الكثير مني.

جثث أطفال خمسة كان لابد أن ترقد في قبورها قبل أن أفهم الأمر..

فيروز تتغير. فيروز ترتجف.. فيروز قلقة.. فيروز تخفي سرًا.. فيروز لا تنام..

ذات ليلة جلسنا في مكان هادئ، فقررتْ أن تتخلص من العبء النفسي الذي أرهقها، وحكت لي ببساطة قصة أختها نازدار المريضة نفسيًا.. بدا لي كأنها حكتها مرارًا من قبل. تحكيها بحنكة غريبة..

كنت أرمق عينيها الجميلتين وهي تتكلم..

قالت لي بعد ما جرعت كوبًا من العصير من أجل ريقها الجاف:

-«طبعًا لا أصدق حرفًا من هذا الهراء… لكن الحقيقة المخيفة هي أن أختي تعاني مرضًا نفسيًا متقدمًا. لا أعرف ما يجب أن أفعله»

كنت أفكر في عمق. هل هذا المرض النفسي يُورّث؟ يعني هل تحمل فيروز شعرة الجنون هذه؟

قلت لها:

-«الوسواس القهري يفعل أكثر من هذا.. قرأت عن هذا كثيرًا… هناك فتيات يبتن في الشارع لأنهن يخشين أن يذبحن أهلهن وهم نائمون».

ابتلعت ريقها وقالت همسًا:

-«وفاة الرضع في دار رعاية الأطفال التي تعمل فيها . هل هي صدفة؟»

-«طبعًا صدفة»

لم تبد مقتنعة.. لكنها ابتلعت اعتراضاتها..

ليتني صدقتها.. ليتني فعلت!

***************

الطفل الأول بالنسبة لي كان ابن أختي شاهنده.. اسمه (رامز). ظل يحمل هذا الاسم يومًا واحدًا في حياته، منذ ذهب أبوه لمكتب الصحة. ثم زارت فيروز أختي حاملة هدية. لقد أصرت على هذا.. المشهد المعتاد للأم المنهكة الفخورة التي ترتدي الروب وتتـأوه وهي جالسة في الصالة مع ضيوفها.

قالت أختي وهي تفتح العلبة القطيفة الصغيرة:

-«كلك ذوق… لقد أتعبت نفسك بحق»

لابد أن هذه (ما شاء الله) مما يقدمونه للرضع. لكن أختي رفعت كفها فلمحت فيها قطعة ذهب غريبة أقرب لرمز مبهم متشابك.

كانت تعرف عن قصة حبنا، وتعرف أنني لم أحب واحدة قط كما عشقت فيروز، لذا كانت تتكلم بشيء من الخبث المحبب. وحملت فيروز الطفل وراحت تهزه وقالت له كلمات عذبة في أذنه…

ثم أعادته لأمه التي ثبتت الحلية الصغيرة في جلبابه الصغير..

غادرنا البيت وتبادلنا عبارات المزاح على الدرج، وكان مدخل البناية خاليًا فخطفت قبلة من خد فيروز، فقالت في دلال:

-«كلب!»

وافترقنا.. بالطبع ليدق جرس الهاتف في المساء.. عرفت من زوج أختي أن (رامز تعيش انت). كيف؟.. فجأة كف عن النفس وازرق لونه، فحمله الأب للمستشفى ملهوفًا، لكنهم أخبروه هناك أنه يحمل جثة..

ما التفسير؟

قال الأطباء إنه على الأرجح عيب خلقي أفصح عن نفسه في اليوم الرابع، أو لربما هو إنهاك حراري مما يصيب الرضع الذي يعرفه الغربيون باسم SID..

كنت أرتجف من التأثر.. أرتجف من الرعب.. اتصلت بفيروز أخبرها وأنا أبكي أن الدمية الجميلة التي كانت تلعب بها ظهرًا قد فرغت منها الحياة.. أشهد أنها بكت بحرقة وراحت تردد أنها نحس…

لا تقولي إنك نحس.. أنا أحبك جدًا.. انت الأروع على الإطلاق ….

فقط لو لم يكن شبح أختك المخبولة نازدار يحوم حولنا………………..

بعد أسبوعين زارت فيروز الحضانة التي افتتحتها جارتها في نفس البناية، ولعبت مع الأطفال كثيرًا.. بعد يوم توفي طفلان في الرابعة.. لا يعرف أحد سبب الوفاة، وقيل الاختناق وقيل سوء التغذية. هل سوء التغذية يفتك بالطفل فجأة؟

لا شك أن بيوتًا كثيرة قد خربت وتحقيقات أجريت، لكني ظللت أتذكر كلامها عن نازدار أختها والأطفال الموتى… الأخوات أمبوسي بنات لاماتسو.. كلام فارغ طبعًا، لكن هل يمكن أن يلعب الجنون دورًا؟ لا يوجد مصاصو دماء، لكن في كل الفترات التاريخية وجد ناس يعتقدون أنهم مصاصو دماء وتصرفوا على هذا الأساس..

كانت الغيوم تحتشد في ذهني، وتوشك على رسم صورة جلية واضحة..

فيروز .. من أنت؟


6- جودت

بدأت نواة القصة تتشكل.. تسارعت أناملي على مفاتيح الكتابة..

العاشق الذي بدأ يرتاب في حبيبته.. لدرجة ذبحها؟ لا أعرف .. لابد أنه سيجد مبررًا قويًا يدفعه لذلك… لكن ما هو؟

توقفت للحظة لأشعل سيجارة وأرتب أفكاري، هنا حانت مني نظرة إلى الحسناوين الجالستين مع ذلك الشاب ضخم الجثة. يبدو أنه أقنعهما بالتهام قطعتين من البيتزا.. تأكلان دون شهية على سبيل أداء الواجب فقط..

قال للفتاة الأولى:

-«سوف تشعرين بتحسن في حالتك عندما تتغلبين على نقص سكر الدم يا رافان!»

الاسم؟ رافان.. أنا الأحمق سمعته (رزان).. ومن الأخرى إذن؟ الاسم كان منار..

-«كلي يا نازدار!»

تقلصت أمعائي وتمسكت بطرف المنضدة حتى لا أفقد الوعي.. نازدار وليس منار.. أنا إذن أجلس على بعد مترين من بطلتي قصتي! هل يوجد تفسير؟ ببساطة لا يوجد تفسير..

يتبع