يسأل سائل:

لماذا أهتم بالمسألة الدينية أساسا؟ الدين في رأيي ليس مهما لكي ينشغل الناس به إلى هذا الحد. أنا أستطيع عن طريق العلوم التجريبية والاجتماعية أن أتعامل مع الكون من حولي، وأستطيع من خلال الموسيقى وبعض الرياضات الروحية أن أحقق توازنا وسلاما نفسيا، وأستطيع أن أعيش مرتاحا هادئ البال دون أن أقحم نفسي في المسائل الدينية والغيبية.

Agnosticism is not about: (I don’t know) as much as it is about: (I don’t care)


تخيَّل أنك دخلت لتنام في يوم في غرفتك وعلى سريرك.. فاستيقظت لتجد نفسك في قطار يمشي مسرعا، فيه رُكّاب، وأطفال، وعجائز، وباعة، مستيقظين ونياما. وجوه لا تعرفها. القطار يمضي. تنظر من خلال النافذة فترى منطقة لم ترها عينك قط. القطار يمشي بسرعة أكبر، ويقف في محطات معينة، فيأتي رجال يأخذون بعضَ الركّاب على غير إرادتهم بشكل عشوائي ويدفعونهم عنوة إلى الخارج. فلا يعودون بعدها أبدا.

في هذه اللحظة العجيبة.. هل يشغلك شيءٌ عن أن تسأل: ما الذي أتى بي إلى هنا؟ إلى أين أنا ذاهب؟ إلى أين ينزل هؤلاء الركّاب؟ إلى أين يمضي هذا القطار؟

تخيل لو أنك تركت السؤال عن كل ذلك وجلست تستمتع بشرب الشاي والتأمل من النافذة.. وأنت لا تدري مبدأك ولا مصيرك. هل يقبل عاقل بهذا؟

ما أشبه هذا القطار بحياتنا!

ولدتَ لتجد نفسك في هذا الوجود، تشعر بنفس وجودك، وبما يعتمل داخل نفسك من إدراكات ومشاعر. تشعر بالجوع، وبالعطش، وبالمحبة، وبالإعراض، وبالشهوة، وبالغضب. ووجدت حولك آدميّين، وحيوانات، ونباتات، وجمادات، وكواكب، وأفلاكا. وجود متنوّع، ينبض بالألوان والأشكال، وتتنوع فيه المقادير والصفات، منتظم، ومتشابك، ومعقّد.

هل يشغلك شيء عن أن تسأل: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا كل هذا السباق المحموم؟

إن العقلاء يرغبون في المعرفة والاطلاع على الحقائق حتى لو كانت لا تتصل بهم، فكيف وتلك الأمور لها اتصال بهم ؟!

ولكنّ هذا الذي ذكرناه ليس باعثا لكل إنسان، فليس كل إنسان يحركه عقله.. فكان لابد من سببٍ آخر.


حينما نمشي في الطريق من الإسكندرية إلى القاهرة كثيرا ما نتجاوز السرعة التي حددها القانون. وقد حصل عُرفٌ بين المصريين أنّ المسافر من القاهرة إلى الإسكندرية إذا علم أن في الطريق لجنةً من هيئة المرور تُعاقِبُ الذي اجتاز السرعة القانونية فإنهم يقلّبون أنوار السيارات لمن يأتي في الطريق المقابل حتى يأخذ حذره.

لو كنت في سيارتك مسافرا، وقلّب أحدهم لك أنوار السيارة فإنك تأخذ حذرك. لأن كلامه ربما يكون صحيحا، فإنك إن تجاوزت السرعة عوقبت. والناس – كل الناس – لا يحبّون العقاب.

لو أن إنسانا من جيرانك أخبرك أن هناك كلبا مسعورا على باب منزلك.. فإنك بسماع هذا الخبر – ولأنه غير مستبعد في العقل، بل غلب على ظنك احتمال صدق جارك،وخطورة التعرض للكلب، أو طلبا للاحتياط- تأخذ حذرك وتمشي على مهل، وربما حملت عصا حتى تستطيع مدافعة هذا الكلب بها إن هو هجم عليك. هذا أمر يفعله كل عاقل في خبر يقوله واحد من الناس إن ظن فيه احتمال الصدق.

لماذا نفعل هذا؟ لماذا نستجيب إلى تحذيرات الآخرين مع أننا نعلم أنها قد تكون خاطئة؟

السبب في ذلك أن هناك احتمالا قائما أن هذه الأخبار صادقة. ولو صدق هذا الاحتمال ووقع ذلك الذي يحذِّر منه الناس.. لأدّى ذلك إلى ضرر ومشقة على الإنسان. والبشر كلهم اتفقوا على: جلب السعادة ودفع المشقّة.

ولكن هل كل تحذير من أي أحد يُلتفت إليه ؟ قطعا لا ، هناك إشاعات وهناك أغراض للناس للسيطرة على الآخرين.لست بحاجة إلى الالتفات إلى كل من يحذرني، فما الحل إذن؟ هذا سيأتي في كلامنا.

صرف الهمة إلى ما ليس بمهم هو غاية الضلال والخسران. فيجب صرف الهمة دائما إلى أهم المهمات التي هي: (نيل السعادة واجتناب الشقاء). كل أفعال الإنسان تقصد إلى السعي نحو السعادة والهرب من المشقة، لهذا يتزوج المتزوج، ويتبتّل المتبتل، ويؤمن المؤمن، ويكفر الكافر، ويطلب المال طالبه، ويترك المال من يزهد فيه. كلهم على اختلاف مسالكهم يطلبون إزالة الهم وجلب السعادة.

وقد بلغك أن هناك أناسا يدّعون أن هناك إلها خالقا للكون، وأنه أرسل رسلا، وأن هؤلاء الرسل معهم أدلة على كلامهم، وأنهم يقولون: إن الله يأمركم باتّباعنا، وأن الدليل على صحة ما نقول كذا وكذا، وأن من أطاع هذا الكلام فله نعيم أبدي، ومن عصى هذا الكلام فهو في شقاء أبدي. ادّعى هؤلاء البشر أنهم أنبياء مرسلون من عند خالق الكون، وأن الخالق له على الناس حقوقا ووظائف في أفكارهم وأفعالهم وأقوالهم. وأنه من لم ينطق لسانه بالصدق، ولم ينطوِ ضميره على الحق، ولم تتزين جوارحه بالعدل، فإن مصيره العذاب الأبدي بعد الموت.

إن العقل يجوّز أن يكونوا صادقين فيما يخبروا به.ولو كانوا صادقين، لأدّى ذلك أن ينال الشقاء الأبدي ذلك الذي رفض الإذعان لكلامهم.فلو كان الإنسان عنده ذرة من العقل .. وجب عليه أن يصرف همته إلى البحث والتأكد من صدق هؤلاء الرسل فيما أخبروا به حتى يدفع عن نفسه المشقة الأبدية إن وجد أن كلامهم حقيقي. فإن تكاسل فهو ليس من العقلاء.

مرة أخرى.. انظر فيما يدعيه هؤلاء الأنبياء.. إنهم يدّعون كلاما خطيرا جدا:

الثواب والجزاء والنعيم الأبدي لمن أطاع

والعقاب والعذاب والجحيم لمن أبى وتولى

فانظر في هذا الأمر، وخطورته. ما أكثر ما يعيشه البشر من سنوات؟ 60 سنة؟ 80؟ 100؟ 200؟ فلنفرض أنها 1000 سنة!كيف إذا قارننا بين هذه السنين –أيا كانت- وبين الأبد ؟!

1000> ∞

هل يكون لأي شيء وزن، مهما زاد، في مقابل الأبدية؟

تخيل أن رجلا سمع أنّ هناك ملكا من الملوك قد قرر أنه:من يجلس في غرفة وحده لمدة خمس ساعات سوف يحصل على 100 مليون دولار، بل أضعاف ذلك من الأراضي، والأموال، والعقارات، والخدمات الصحية، إلخ … كل ذلك بشرط واحد: ألا يأكل، ولا يشرب، ولا ينام، ولا يكلّم أحدا طوال الساعات الخمس. أما لو لم ينفذ ذلك بأن أكل أو شرب أو نام.. فإنه يتعرض لعقاب أليم شديد.. فهل يا ترى يقول عاقل إن الأكل والشرب في هذه الساعات الخمس أولى من أن أحصل على هذا المقابل الجزيل؟ وهل نيل شهوة النوم أو الأكل في هذه الساعات الخمس تستأهل أن يعرض الإنسان نفسه لعقاب هذا الملك وعذابه؟

أليست حياتنا الدنيا تتضمن كثيرا من الصبر على أمور شاقة ككثرة العمل، والمذاكرة، والامتحان، والسير في الحر والبرد، إلى غير ذلك من أنواع التضييقات التي نضيّقها على أنفسنا طلبا للحصول على أمر مرجوّ.

قد تسأل نفسك:

(لماذا طلب مني هذا الملك هذا الطلب الغريب؟ ماذا سيعود عليه من النفع إن أنا فعلت ذلك الطلب مع أنه ملك كبير عنده كل شيء؟).

ولكن.. إذا علمت أن هذا الملك جادٌ فيما يقول، وأنه مستطيع أن ينفِّذه.. هل تعد ترك حريتك وضبط نفسك هذه الساعات الخمس أنفع وأسعد ؟ أم الحصول بعدها على هذا الثواب الجزيل؟

وهل المشقة في احتمال تقييد نفسك هذه الساعات الخمس أشق؟ أم احتمال هذا التعذيب الشديد الذي يتوعّدك به الملك لهذه السنين الطوال؟

هل الإنسان الذي يريد الخير لنفسه يقبل بالعذاب والحرمان من الخير الكثير في مقابل ساعات قليلة لم يقدر على ضبط نفسه فيها؟ ألا يكون سماع الإنسان بهذا الخبر عن هذا الملك وازعا له أن يسأل:

هل فعلا هذه الأخبار صحيحة ؟ هل سأحصل على هذه المكافآت إن اجتزت هذا الامتحان البسيط؟ هل هذا العقاب صحيح؟ هل من يدّعي هذا الأمر صادق في دعواه؟ هل الملك فعلا قادر على إيصال كل ذلك المال والنعيم لي؟ هل هو قادر على عقابي؟ ألا يمكنني أن أهرب منه مثلا؟ ما هي تلك الشروط التي اشترطَها الملك حتى أفوز بالجزاء، وأنجو من العقاب؟ … إلى آخره من الأسئلة التي يندفع إليها الإنسان، طالبا سلامة نفسه من هذا الهول الشديد، وطالبا لنفسه هذا النعيم المقيم.

إنّ المغامرة بعدم الالتفات إلى هذا الأمر الجلل لهو تهور كبير واستهتار شديد. وكذلك أمر الأديان ورسالات الرسل.فإنهم إن صدقوا فيما يدعونه فقد أشرف الإنسان على عذاب يبقى أبد الآباد، وإن كذبوا فلا يفوت الإنسان إلا بعض شهوات هذه الدنيا الفانية المكدّرة؛ إذ لا نسبة لمدة العمر مهما طالت إذا ما قيست بالأبدية التي لا تنتهي.

بل إننا لو قدّرنا الدنيا مملوءة بحبات الذُرة، وقدّرنا طائرا يلتقط فى كل ألف ألف سنة حبة واحدة منها..لفنيت حبّات الذُرة ولم ينقص أبد الآباد شيئا يذكر. فكيف ينتهي رأي العاقل إلى ألا يصبر عن بعض الشهوات مائة سنة مثلا لأجل سعادة تبقى أبد الآباد مع علمه بأن عدم صبره هذا يؤدّي إلى عذاب يبقى –كذلك- أبد الآباد؟

يؤمن بعض الناس بالدين لأنهم يرون أن هذا أسلم لهم، وذلك لأنهم إن عاشوا مؤمنين وكانت دعوى المؤمنين بالدار الآخرة صادقة فإنهم في نجاة وأمان، وإن لم تصح دعوى المؤمنين وانتهت الحياة إلى العدم فإنهم لم يخسروا شيئا كثيرا. أما إن كانوا ملحدين .. فلو صارت دعوى المؤمنين صحيحة فإنهم سيعرضون أنفسهم للعذاب الأخروي، وإن لم تكن صحيحة فإنهم يذهبون إلى العدم كذلك. فالمؤمن في أمان في كلا الحالين، والملحد على خطر عظيم، فالأسلم للإنسان أن يعيش مؤمنا. وهذا النوع من الاعتقاد يسمّى (رهان باسكالPascal’s wager) نسبة للفيلسوف والرياضي الفرنسي باسكال.

والذي أوجبه الله على الناس في دين الإسلام هو التصديق الجازم، والقطع بصحة الدين وما يأتي به، وأما التصديق على احتمال صحة الدين مع عدم اليقين والقطع والجزم فليس إيمانا معتبرا شرعا أصلا، وليس هو المطلوب في دين الإسلام (كما شرحنا مفهوم الإيمان في المقالة السابقة).

ولكن لا مانع من استعمال هذه الحجة في حث الناس على ضرورة البحث عن صحة الأديان ، وذلك أنه لما كان محتملا أن تكون دعوى المؤمنين صادقة، وسيترتب عليها حينئذ نعيما مقيما أو عذابا متصلا، فإن الإنسان لن يخسر شيئا بالبحث عن صحة تلك الدعوى ، وينبغي أن يهتم بالبحث حتى يرى هل الدين حق أم باطل، بل سيخسر الكثير بترك البحث لو تبين له أن دعوى الأنبياء حق.

ولذلك قال أبو العلاء المعرّي:

قال الـمُنجِّمُ والطبِيبُ كلاهُمُا *** لاتُبعثُ الأمواتُ قلتُ: إليكما

إن صحَّ قولُكُما ..فلستُ بـخَاسِرٍ***أوصحَّ قولي فالـخَسَارُ عَليكُما

ولذلك قال سيدنا الإمام علي كرّم الله وجهه لبعض الملحدين ممن قَصُرت عقلولهم عن فهم تحقيق الأمور وكان شاكّا:(إن صح ماقلتَ فقد تخلّصنا جميعا،وإلا فقد تخلصتُ أنا وهلكتَ أنت). أي: لو صح ما تقول من أننا سنصير إلى العدم وأنه لا شيء سيحصل بعد الموت فقد نجونا جميعا، أنا وأنت، أما إن كان ما أدعيه أنا من وجود الإله ووجود الدار الآخرة صحيحا فتكون أنت في مشكلة كبيرة بعدم تصديقك له، فينبغي أن تبحث في صحة كلامي وتنظر فيه نظرا صادقا مع استعدادك لقبوله إن قام عليه الدليل.

لو كان الإنسان يصدّق من يقلّب له أنوار السيارة خشية أن يدفع غرامة صغيرة، ويصدّق خبر واحد يخبره أنّ كلبا بباب بيته قد يضره.. فكيف بخبر قاله عشرات الرجال – يقولون أنهم أنبياء- على مدى الزمان.. وصدّقهم فيه كثير من البشر، ولم يدعونه مجردا عن حجة ودليل ، بل يدّعي بعض أهله قدرتهم على إقامة الدليل عليه، ويترتب عليه في حال صدقهم نعيم أبدي أو شقاء أبدي .. ألا يعد هذا حاملا على أن تنظر بعقلك، وتفكر، حتى تصل إلى تصديقه بدليل، أو تكذيبه بدليل؟

نعم.. لا ينبغي أن تصدّق شيئا لم يقم عليه دليل، وعليك أن تعمل عقلك في صحة هذا الذي يدعونه. وإنّ هذا النعيم المقيم المحتمَل، والعقوبة الشديدة بالخلود في النار في حال صدق خبرهم.. كفيلة أن تجعلك تبحث وتفكّر.

ولذلك كانت أول كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم حينما جمع العرب ليعلن لهم أمر الدين أن قال لهم: (أرأيتم لو أخبرتكم أن وراء هذا الوادي خيلا توشك أن تغير عليكم.. أكنتم مُصدِّقيّ؟)

قالوا: (ما عهدنا عليك كذبا قط).

قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد).

كنت كثيرا أستغرب لماذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته بالحديث عن العذاب. ثم ظهر لي أن هذا أبلغ ما يمكن أن يقال في هذا المقام. كأنه يقول لهم: أنتم تعلمون أني عاقل وصادق، ومن اعتاد الصدق وعُرف بالأمانة ، فالشأن أن يكون كلامه صدقا ، وإنه لمحتمل غاية الاحتمال. اسمعوا.. ينبغي أن تصغوا لما أقول وتهتمّوا به. فإنكم لو أعرضتم فإن عذابا شديدا ينتظركم. وإنكم لا تحبون العذاب.حتى إذا اهتمّ الإنسان بالأمر والتفتت نفسُه إليه بدأ يقيم له الأدلة.

والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه في أحاديث كثيرة كان يجادل الناس ويستدل لهم على أمر الدين. فنحن نعرف أن العقلاء الأسوياء لا يقبلوا الكلام بلا دليل، وإنما كانت خشية العقاب سببا ليُقبلوا فينظروا، وألا يعرضوا، وكذلك الطمع في الوعد الجزيل والنعيم المقيم تدفع النفس إلى التحقق من صدق تلك الدعاوى .

إن مركزية الدين في حياة الإنسان ليست بأن تشغل الأمورُ الدينيةُ غالبَ وقتِه، ولا بأن يحاول أن يكسو كل أفعال حياته بزخرف ديني غير حقيقي. بل مركزية الدين أنه طريق لإدراك هذه الحقائق العظمى الأكثر أهمية التي تتصل بالحياة والمبدأ والـمعاد، وأنه طريق للنجاة في الدار الآخرة من العذاب الشديد.

الإنسان المسلم ربما يحيا حياة شبيهة في ظاهرها بحياة غيره في أمور كثيرة. إنه يأكل، ويشرب، ويتزوج، ويعمل، ويبني، ويعمّر، ويسافر. لكن يبقى الاعتقاد أساسا مهما في هذه الحياة؛ إذ بغيره تفقد الحياة كثيرا من معانيها ، وعليه مدار نجاته يوم القيامة.

كل هذه أسباب عقلية تدفع للبحث والنظر وقبول وتبني الاعتقاد عن دليل وبرهان، ونحن لم نتعرض إلى الأشواق التي تهتف بها الروح إلى بارئها، حينما يتأمل الإنسان بعيون قلبه في هذا الكون فيجد هاتفا في نفسه يقول: ثمّة حقيقة كبرى وراء هذا العالم، هناك أصل تشتاق إليه الروح، هناك سر في المحبة والرضا لا نفهمه، هناك ترقٍ في النفس يشير إلى رحمات تنزل على قلب الإنسان في لحظات كثيرة، إنه ذلك المعنى الذي يقول فيه جلال الدين الرومي في قصيدته (أنين الناي):

(تُراك استمعت إلى حكايا الناي..وأنين اغترابه

منذ اُقتطعت من الغاب..لم ينطفئ بي هذا النواح

فلعل كل من أُبعد عن محبوبه، وأحرق الشوق له روحا ..يستمع لقولي.. فيعيــه

ولعل كل من فارق موطنه..لا تبُـح أنفاسه إلا بالحنيـن

إلى أوان للوصال)

نحن لم نتكلم على هذه المعاني، مع أنها أمر شعوري يرد في بواطن كثير من بني آدم، لأننا اخترنا أن نسلك في هذه المقالات المسلك البحثي العقلي الذي نستطيع فيه إقامة الأدلة، لا المسلك الشعوري الذوقي الذي ربما يختلف من إنسان لآخر بحسب صفاء نفسه.

تنبيه:

– الكلام السابق موجّه لمن يقول: (لا أهتم أصلا بالمسألة الدينية) وليس موجها إلى من يقول: (أهتم بها .. لكني لا أجد دليلا لتصديقها).. فهذا الثاني نناقشه في الأدلة العقلية على المسائل الدينية، وهذه ستأتي في المقالات القادمة بإذن الله.

فخلاصة ما نريد أن نقوله في هذا المقال: أنت إنسان أُلقي بك في هذا الكون الواسع المعقد المتشابك، ولك عقل متسائل، فينبغي أن يدفعك إلى البحث عن الأسئلة الكبرى التي شغلت البشر: من أين؟ إلى أين؟ ولماذا؟ وهذا يقودك للبحث في الدين. وإن أناسا في تاريخ البشر قد ادعوا أن للكون إلها وأننا سنصير إليه للحساب في دار أخرى، يعقبها ثواب أبدي وعقاب أبدي، فلو صحت دعواهم فستعرض نفسك للسُخط والعذاب، فينبغي لك الاهتمام والبحث في صحة هذه الدعوى، وهذا يحملك على الاهتمام بالمسألة الدينية.