في عطلة ممتعة على شواطئ هاواي الجميلة، غطس (ريتشي) البالغ من العمر 11 عامًا مع والده الغواص الماهر. كانت المياة صافية والأسماك الملونة في كل مكان. وكان (ريتشي) يتمنى لو أمكنه أن ينادي والده ليريه كل مشهد غريب رآه، ولكن لا يمكن التحدث تحت الماء، أليس كذلك؟

حين خرج الطفل اليافع مع أبيه من الماء، أبدى له تأسفه لذلك، ولكن أبوه لم يكتف بمواساته، بل شجعه على أن يفكر في اختراع يمكن الغطاسين من الحديث تحت الماء. لم يتوقف دور الأب عند تشجيعه، ولكنه أيضًا ساعده على التأكد من أن مثل هذا الاختراع لم يتم تنفيذه من قبل، ثم أمده بالمواد اللازمة للتجارب والتصميم، وفي النهاية قام (ريتشي) بتسجيل براءة الاختراع الجديد «تالكي الماء Water Talkie» الذي يسمح للغطاسين بالحديث عن بعد، ولمسافة عدة أمتار. وحين قام (ريتشي) بعرض لعبته، تلقَّى في أيام حوالي 50 ألف طلبًا ليصير (ريتشي) خلال عامين مليونيرًا تحقق شركته أرباحًا تقدر بنصف مليون دولار سنويًا.

(ريتشي) ليس حالة فريدة، فالكثير من الأطفال قد أبدوا قدرات فائقة في الاختراع والإبداع العلمي، وحين يجدون الأذن المصغية والأبوين المتفهمين، فإن اختراعاتهم ترى النور لتبهر العالم ببساطتها وفاعليتها. ولهذا لا نجد غرابة أن تقوم شركات عملاقة مثل جوجل وإنتل بعمل مهرجانات كبيرة للعلوم لتجمع المخترعين الناشئين حول العالم، ولنرى من نتائجها أفكارا مبهرة. بل إن بعض هذه الأفكار قد استخدم لإنقاذ حياة الكثيرين ولحل مشكلات كبيرة جدًا في البيئة، والطاقة وحتى في السياسة والاقتصاد. فالأمر ليس فلتة أو نسبة نادرة، بقدر ما هو نتيجة طبيعية لإتاحة الفرصة وتوفير الدعم والتشجيع اللازميْن لهذه العقول المضيئة المبدعة التي لم تتطبع بعد بالأفكار المعتادة والوضع القائم.

إن تشجيع الأطفال على حب العلوم والشغف بالاختراعات العلمية هو أمر ضروري ولازم لهم في عصر العلوم الحديثة والمتطورة باستمرار. ولكن الأطفال يبقون دائمًا بعيدين عن العلم ما دام يقدم لهم بصورة جامدة نمطية أو بمجرد كلام نظري. ولهذا كان من أنفع وسائل «تبسيط العلوم Science Communication» أن يتم تقديمها بشكل عملي تطبيقي.

إن الأطفال بطبعهم يلاحظون الأشياء ويجربون ويبحثون عن التفسيرات، وهم بهذا علماء بالفطرة. ولعل أصعب ما يواجه المربي هو التدرج الصحيح في تقديم المفاهيم العلمية وربطها بظواهر طبيعية وتجارب فعلية يلمس منها الطفل أهمية المفهوم الذي يتعلمه. فأنت بحاجة لا فقط لمجرد لعبة مسلية تجعله ينتبه لك ولكن أيضا أنت بحاجة لتأسيس فهم عميق ومتدرج للقواعد العلمية التي تقوم عليها تلك اللعبة، ولماذا حدثت تلك الظاهرة؟ وفي هذا المقال نستعرض أمثلة تطبيقية على كيفية تقديم العلوم والتجارب العلمية للطفل بتدرج سليم ومنطقي.


تجربة مسدس الضغط

في هذه التجربة، نهدف لتعريف الطفل بالقوة الجبارة الكامنة في الهواء من حولنا. إن الهواء يحيط بنا طوال الوقت، ولهذا قد لا يعيره الطفل انتباهًا كبيرًا، فواجبك أولا كشارح للتجربة أن تلفت نظره وتثير شغفه بذلك الشيء غير المرئي: الهواء. ولهذا ستبدأ أولا باستخدام محقن طبي فارغ (بعد إزالة الإبرة الحادة بالطبع). اترك طفلك يلهو به قليلا ويملأه بالهواء ويفرغه، ثم أمسكه منه وقل له: هل أنت أقوى أم الهواء؟ ثم برهن له أن الهواء أقوى منه بتجربتين عمليتين:

أولا: املأ المحقن بالهواء، ثم قم بسد النهاية براحة يدك بإحكام، واطلب من طفلك أن يضغط على الكباس بقوة. سيحاول كثيرًا ولكن لن يمكنه أن يضغط ذلك الهواء القليل المحتبس في المحقن. إن الهواء يقاوم ذراعيه الصغيرتين بتماسك مدهش. قد تحتاج أولا أن تذكره بميوعة الهواء من خلال تحديه أن يمسك بيده الهواء مثلا!

ثانيا: أفرغ المحقن تمامًا من الهواء وسده أيضًا براحة يدك، واطلب من طفلك أن يجذب الكباس إلى الخلف دون أن تسمح للهواء بالدخول من الفتحة الضيقة. سيحاول كثيرًا أيضا، ولكن المكبس لن يتحرك. هنا سيكون عليك أن تفسر له ذلك باستخدام تلك الظاهرة الغريبة: الضغط الجوي. فالهواء خارج المحقن يضغط على كل شيء بما فيه الكباس. ولما كان الهواء ممنوعًا من دفع الكباس من الناحية المسدودة، فقد صارت القوة المطلوبة لرفع الكباس تساوي قوة ضعط الهواء من الأرض وحتى الفضاء الخارجي!

والآن قم أخيرًا بعمل لعبة الطفل وغنيمته التي ستبقى معه بعد كل تلك التجارب، فشعور الفرحة بلعبة جديدة طبقها هو بنفسه ستكون هي اللاصق الذي سيثبت كل تلك المفاهيم والمعلومات في حائط ذكرياته السعيدة. إن لعبتنا هذه المرة ستكون مسدسًا من محقنين طبيين تم توصيلهما ببعضهما لنستفيد بضغط الهواء كقوة دافعة للطلقة. شاهد هذا الفيديو لتعرف بالتفصيل كيف تصنع هذا المسدس البسيط.


تجربة كاتم الصوت

والآن بعدما استوعب طفلك تجربة الهواء وضغط الجو وأهمية ذلك الشيء الخفي (قد تحتاج لتكرار التجربة واللعب كثيرًا بمسدس الضغط لتثبيت المعلومة)، فقد صار من المناسب أن تقدم له تجربة عن الصوت، لأن الصوت الذي نسمعه هو نتيجة اهتزاز جزيئات الهواء من حولنا.

إن الطفل منذ مولده وهو مهتم جدًا بما حوله من أصوات، ولكن هل يمكن أن نفهمه كيف ينشأ الصوت وكيف يصل إليه عبر الحواجز والجدران؟ هذه التجربة البسيطة ستقوم بتوصيل مفهوم الصوت له. يمكنك أولا أن تبدأ بإثارة شغفه حول الموضوع، أمسك بجرس صغير عالي الصوت أو ما يشبهه وهزه ثم اسأل طفلك: هل تعتقد أننا من الممكن أن نكتم صوت هذا الجرس دون أن نلمسه أو نغيره؟ وهكذا بإثارة فضوله يمكنك أن تجعله منتبها لتجربة كاتم الصوت البسيط التالية.

التجربة تحتاج إلى صناعة فراغ خالٍ من الهواء، ولهذا قد تحتاج لبعض التجهيزات المسبقة مثل عمل إناء محكم الغلق بحيث لا ينفذ منه الهواء وتقوم بتوصيل خرطوم في فتحة محكمة في غطائه حيث ستكون تلك وسيلتك لإفراغه من الهواء. قم بتعليق خيط في غطاء الإناء وعلق فيه الجرس الصغير ثم أدخل الجرس في الإناء وأحكم إغلاقه. قم بهز الجرس، وستجد أنكما تستطيعان سماع رنينه من داخل الإناء. قم الآن بشفط الهواء من الإناء إما بفمك أو بمضخة هواء. تأكد أنك تفرغه من الهواء بشفطه ثم تغلق الخرطوم كي لا يتسلل الهواء مرة أخرى. كرر شفط الهواء ومع الوقت ستجد أن صوت رنين الجرس قد اختفى!

إن إفراغ الهواء من الإناء قد منع اهتزاز الجرس من الانتقال إلى جدران الإناء ومن ثم إلى أذنيك. قم بتكرار التجربة مع طفلك بإعادة الهواء إلى الإناء ثم الاستماع لرنين الجرس، وهكذا. يمكنك مشاهدة تطبيق عملي للتجربة في هذا الفيديو.


البالونة السحرية

في هذه التجربة ستقدم لطفلك بعض المفاهيم شديدة التقدم في الفيزياء، ولكن ستفاجأ أنه استوعبها غالبا في وقت أسرع منك أنت شخصيا. إنها ظاهرة «الكهرباء الساكنة Static Electricity» التي حيرت الإنسان منذ مئات السنين إلى أن تم التوصل لتفسيرها مع تقدم العلوم.

لعل كلنا قد جرب هذه اللعبة: قم بحك بالون منتفخ بشعرك أو بقطعة من الصوف عدة مرات، ثم ألصق البالون بالحائط، وستجد أنه قد التصق بها متحديا الجاذبية الارضية،شاهد ذلك الطفل وهو ينبهر بتجربته لهذه الظاهرة (صحيح أنه حك البالون في رأس أخيه الرضيع، ولكن كله يهون من أجل العلم!). بل ستجد أيضا أن تلك البالون قد صارت جاذبة لقطع الورق الصغيرة كما هو في هذا الفيديو.

ليس هذا فقط؛ فنفس التجربة يمكنك أن تطور عليها لتحصل على نتائج مبهرة، قم بحك البالون في القماش الخشن ثم قربه من ماء الصنبور، ستجد أن الماء يغير مساره ويقترب في الهواء إلى ناحية البالون!

هذه الأفكار والتجارب –وغيرها الكثير– تمتاز ببساطتها جدا وسهولة تنفيذها وكونها لا خطر كم تركها للطفل يجعلها جذابة بشكل خاص. ولكن الصعوبة الحقيقية أن تشرح لطفلك: لماذا حدث هذا؟ فكما قلنا، ليس الهدف فقط أن نقوم بتسليته، ولكن الهدف أن نبني في داخله أساسا علميًا سليمًا أيضا.

سيحتاج الأمر منك إلى كثير من التمهيد والتدريج لتوصل له فكرة الإلكترونات السالبة والجزيئات الموجبة التي يقوم الحك بفصلها عن بعضها، مما يجعل سطح البالون مشحونًا بإلكترونات سالبة تبحث لها عن سطح موجب تنضم له، فتبدأ بالتشابك مع الجزيئات الموجبة الموجودة بالفعل في أي سطح قريب، مما يجعلها تنجذب له أو تجذبه. يبدو مفهوما معقدًا جدًا، فهل يمكن فعلا شرحه للطفل؟ الإجابة هي: استخدام التشبيهات.

بداية يجب أولا أن توصل لطفلك مفهوم الأقطاب الموجبة والسالبة وأن المتشابهات تنافر بينما تنجذب المتضادات. لا تقلق الأمر بسيط ولن يحتاج لكل تلك المصطلحات المعقدة. قم باستخدام قطعتين من المغناطيس كلعبة مع طفلك. حين يكون القطبان المتشابهان قريبين من بعضهما، ستجد أن المغناطيسين يبتعدان عن بعضهما، بينما لو قلبت أحدهما على وجهه الآخر ستجد أنها يلتحمان بقوة وسرعة. قم بتجربة التنافر والتجاذب عدة مرات مع طفلك حتى تطمئن أن استوعب هذه الفكرة بالتطبيق العملي.

والآن ألق عليه سؤالا: هل تجد أنه لابد من جهد لكي نفصل المغناطيسين عن بعضهما حين يكونان ملتصقيْن؟ هذا الجهد يشبه ما نقوم به حين نحك البالون بقوة. فالماود كلها فيها ما يشبه المغناطيس ولكن حجمه صغير جدًا لا يمكننا أن نراه، وحين نحك البالون تنفصل المغناطيسات الصغيرة وتتوزع على سطح البالون، وحين نقرب البالون من الحائط، فإنه يجذب المغناطيسات إليه ليلتصق فيها.


المزيد من التجارب

هل ترى أن هذه الطريقة ستجعل طفلك محبًا للعلوم؟ أنت إذًا بحاجة لمزيد من التجارب ومزيد من أفكار الشرح والتبسيط لها. إن جعل التجارب العلمية والتطبيقية عادة دورية في تعليم طفلك سيجعله دومًا يبحث عن المزيد من المعرفة. سيصبح من المعتاد أن تسمع منه سؤالا عن كيفية عمل هذا الأمر، أو لماذا حدث كذا؟ وهل يمكن أن نقوم بتجربة عليه؟

عليك أن تعد نفسك لأسئلة حرجة قد لا تستطيع أن تجيب عليها، ولكن لا تقلق، فبدلا من أن تكون هذه عقبة في طريق التطوير العلمي لطفلك، اجعلها فرصة لتعوِّده على البحث والاكتشاف وألا يقلق إذا لم يكن قد فهم أمر ما.

تعود معه على البحث والتجريب، وقم باقتناء الموسوعات العلمية والأدوات اللازمة لتطبيق تلك التجارب.

اغرس في طفلك مفاهيم مهمة مثل كيفية تدوين الملاحظات، والصبر والمثابرة في التجريب إلى أن ينجح في تطبيق التجربة التي يريد أن ينفذها.

أيضًا من الواجب عليك أن تستحضر في ذهنك التجارب التي قمت بعملها مع طفلك لكي تربطها له بما تقابلونه في الحياة. فمثلا إذا شاهدتم برنامجًا عن رواد الفضاء، فقم بسؤاله عن سبب لبسهم لتلك البدلة الفضائية الكبيرة، وحين يعرف أنه لا هواء في الفضاء، فقم حينها بتذكيره بتجربة كاتم الصوت وقل له إن هذا يعني أنهم لا يمكنهم أن ينادوا بعضهم في الفضاء الخارجي.

وحين ترى معه البرق فعليك أن تذكره بتجارب الكهرباء الساكنة، فالبرق لا يختلف عن بالونته المشحونة إلا من حيث الحجم فقط.

وهكذا انتهز الفرص لتقوم بعمل علاقات منطقية ومنظمة في عقل طفلك عن العالم من حوله، ولتجعل ما تعلمه كله حاضرًا في ذهنه ومفيدًا له، وتعوده على البحث عن التفسير العلمي والمنطقي لظواهر الكون.