رغم أن التقرير يتناول أحداث جرت خلال العام الماضي، إلا أنه لا يزال يستحق القراءة عن كثب. يظهر التقرير كيف أن الحملة الأمنية التي تبعت الانقلاب مباشرة، التي أمل الكثير من المراقبين أن تكون مؤقتة ومحدودة قبل الانتقال سريعا إلى فترة تحول ديمقراطي، توسعت خلال عام 2014 لتصبح سياسة ممنهجة لسحق جميع المعارضين تقريبا ولإعادة تأسيس نظام استبدادي. استمرت جميع المشكلات التي وصفت في تقرير عام 2014، بل وازدادت سوء في بعض الحالات، خلال عام 2015.

السيسي في بيان 3 يوليو
السيسي في بيان 3 يوليو

أوضح الرئيس عبد الفتاح السيسي عند توليه لمنصبه أن محاربة الإرهاب هي أولويته العليا. تواجه مصر، حسبما تظهر الهجمات المتزامنة الصادمة خلال الأول من يوليو في شمال سيناء من قبل التابع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية، ولاية سيناء، التي أودت بحياة 21 جنديا، وكذلك عملية اغتيال النائب العام هشام بركات يوم 29 يونيو – وهي أول عملية اغتيال تطال مسؤول مصري رفيع المستوى منذ عام 1990 – إرهابا متصاعدا ومميتا.

وحتى قبل تلك الجولات الأخيرة، نظمت ميليشيات مسلحة وخصوم آخرين للدولة هجمات منتظمة خلال عام 2014، والتي أودت بحياة مئات الجنود، وضباط الشرطة والمدنيين. ولكن حسبما علق مساعد وزير الخارجية الأمريكية، توم مالينوسكي، في المؤتمر الصحفي لإصدار التقرير: “استخدمت مصر تهديدا حقيقيا بالإرهاب لتبرير محاكمة شخصيات معارضة غير عنيفة، ونشطاء حقوق الإنسان، ومتظاهرين”. علاوة على ذلك، يقلق بعض المراقبين من أن القمع واسع النطاق الذي ينفذ باسم الأمن القومي قد يساهم في خلق ساحة كبيرة من المصريين المتضررين بشدة من ممارسات الحكومة – وبالتالي المزيد من المتطوعين في صفوف التنظيمات المتطرفة.

توم مالينوسكي مساعد وزير الخارجية الامريكي
توم مالينوسكي مساعد وزير الخارجية الامريكي

انطوت أربعة من الانتهاكات الأخطر التي جرت خلال عام 2014 وتم توثيقها في التقرير، وكذلك من قبل منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية، على أعمال عنف مورست ضد المتظاهرين، واعتقالات واسعة، وانتهاكات بحق المحتجزين، وحصانة سائدة للمسؤولين المشتبه في تورطهم في تلك الانتهاكات.

العنف ضد المتظاهرين

بعد فض قوات الأمن العنيف للاعتصامات الواسعة المناصرة لمرسي في القاهرة في أغسطس 2013، التي قدرت منظمة “هيومن رايتس واتش” ضحاياها من المتظاهرين بـ1000 قتيل، وإصدار قانون تظاهر شديد التقييد في نوفمبر 2013، إلى جانب الحملة الإعلامية لتشويه صورة المعارضة، شهد العام 2014 تراجعا كبيرا في التظاهرات الضخمة. إلا أن العديد من تلك التظاهرات لا يزال يجري، ويذكر التقرير أن “الحكومة أو عناصرها نفذوا عمليات قتل تعسفية أو مخالفة للقانون” عند فض بعض تلك التجمعات. كما يشير إلى تقارير تورد مقتل 74 مصري على الأقل في تظاهرات عام 2014 – قتل 60 منهم يوم 25 يناير فقط، بينما أشارت تقارير إعلامية محلية ودولية إلى أن إجمالي عدد القتلى خلال العام الماضي كان أكثر من 90 قتيلا.

فض اعتصام رابعة العدوية
فض اعتصام رابعة العدوية

اعتقالات واسعة

يذكر التقرير أن “منظمات حقوق الإنسان والمراقبون الدوليون قد اتفقوا على أن عدد المحتجزين أو المسجونين بلغ عدة آلاف الأشخاص بسبب معتقداتهم السياسية المعارضة للحكومة فقط، أو كون معتقدات السياسية على رأس الأسباب”. كان العديد منهم من أعضاء الإخوان المسلمين أو السلفيين الذين اعتقلوا بعد الإطاحة بمرسي. وفي عام 2014، توسعت حملة الاعتقالات لتوقع بنشطاء غير إسلاميين، وخاصة القادة البارزين من الشباب. كما أشار التقرير إلى “تقارير عديدة” حول اعتقال قوات الأمن للمارة الذين كانوا ببساطة “يجلسون في مقاهي مجاورة” أو يمرون إلى جوار المظاهرة، وحول احتجاز أقارب وأصدقاء الأشخاص المطلوبين.

بالنسبة لحجم الاعتقالات، يذكر التقرير تقدير السلطات المصرية،المقدم إلى وكالة “أسوشيتد برس”، الذي يصل إلى 16,000 شخص خلال الفترة بين يوليو 2013 ومارس 2014. كما يذكر التقرير “زعم بعض المصادر غير الحكومية أن السلطات قد اعتقلت ما يصل إلى 40,000 شخص” منذ يوليو 2013 حتى ديسمبر 2014. وفق الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ومقرها بالقاهرة، بلغ عدد المحتجزين 42,000 محتجز بحلول نهاية عام 2014. أوضحت المنظمات الحقوقية المحلية لواضعي التقرير أنه من الصعب جدا تعقب العدد الدقيق للمعتقلين بسبب تعتيم منظومة السجون، وحقيقة أنه لا يتم تسجيل جميع المعتقلين بمجرد اعتقالهم، ومضايقة الحكومة لمن يحاولون توثيق معاناة المحتجزين.

استخدمت السلطات عادة مزيجا من السلطات القانونية القمعية – مثل قانون التظاهر، قانون العقوبات، وقرار أكتوبر 2014 بتوسيع نطاق المحاكمات العسكرية لتشمل “المنشآت العامة الحيوية”، التي تم تعريفها بحيث تشمل الطرق والجامعات – لتتهم المعتقلين بارتكاب أعمال عنف، والإخلال بالنظام العام، وتهديد الأمن العام. عنى ذلك أن النشاطات السلمية، مثل التظاهر خارج المنشآت الحكومية، نتج عنها عادة توجيه اتهامات قد تؤدي إلى الإعدام أو السجن المؤبد.

احتجزت السلطات بعض هؤلاء المعتقلين إلى أجل غير مسمى قبل المحاكمة. كما يذكر التقرير أن عدد المحبوسين احتياطيا بلغ 7389 شخص بحلول نهاية 2014، وهو عدد أعلنته الحكومة. بينما تترواح مدة الحبس الاحتياطي بين ستة أشهر للجنح وعامين في قضايا النفس، سمح تعديل في قانون الإجراءات الجنائية، تم في سبتمبر 2013، بالتجديد غير المحدود لمدة الحبس الاحتياطي للأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد.

وفق الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، يعني ذلك التعديل أن المعتقلين المتهمين بالجرائم الكثيرة المتعلقة بالإخلال الأمن العام أو النظام العام والمساس بالحريات العامة، إلى جانب “التحريض على العنف” و”الانضمام لتنظيم محظور” يمكن احتجازهم إلى أجل غير مسمى مع ضعف التحقيقات أو عدم بدءها مطلقا. عبرت منظمات حقوقية عن مخاوفها بشأن اتهامات وجهت ضد الكثير من المحتجزين دون أدلة كافية أو دون أي أدلة.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

يشير التقرير إلى أن بعض المعتقلين قد تعرضوا للاحتجاز لمدد طويلة دون توجيه اتهام لهم، بينما اختفى آخرون تماما. ويذكر أيضا بحث منظمة العفو الدولية العام الماضي الذي توصل إلى احتجاز ما بين 30 و400 مدني بشكل سري في منشأة عسكرية في الإسماعليلية دون اتهام، أو إحالتهم للمحاكمة، أو إتاحة وصولهم إلى محاميهم أو عائلاتهم.

انتهاكات بحق المعتلقين

فاضت أعداد المحتجزين في أقسام الشرطة المصرية، والسجون، ومراكز الاحتجاز الأخرى في عام 2014. حيث يذكر التقرير أن المعتقلين قد واجهوا أوضاع احتجاز “قاسية” شملت التكدس، والإيذاء، وغياب الخدمات الطبية الأساسية، والإساءات الواسعة من قبل ضباط الأمن. أصبحت المشكلة خطيرة للغاية لدرجة أن حتى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهي هيئة شبه حكومية متحفظة، وجهت انتقادات لاستخدام الحبس الاحتياطي و أفادت أن زنازين الاحتجاز في أقسام الشرطة كان تضم 400 بالمئة من قدرة استيعابها، وأن السجون ضمت 160 بالمئة من قدرة استيعابها. ومنذ ذلك الحين تم إنشاء منشأة للحبس الاحتياطي، مع قدرة استيعاب تصل إلى 4000 شخص.

كثافة عدد المعتقلين في اقسام الشرطة في مصر
كثافة عدد المعتقلين في اقسام الشرطة في مصر

عاد التعذيب، الذي مثل مشكلة ممنهجة في ظل نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، بشكل انتقامي عام 2014. حيث يذكر التقرير صراحة: “اشتملت وسائل التعذيب المذكورة على الضرب باللكمات، والسياط، وأعقاب البنادق، وأمورا أخرى مثل الصواعق الكهربائية، الاعتداء الجنسي، وإجبار المحتجزين على الزحف على زجاج مكسور”.

كما يورد التقرير تأكيد مصلحة الطب الشرعي على موت 90 شخصا على الأقل في السجون ومراكز الاحتجاز خلال الفترة بين يناير ونوفمبر 2014. وثق مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف، وهي منظمة مصرية شهيرة معنية بحقوق الإنسان،موت 100 شخص أثناء احتجازهم خلال عام 2014 نتيجة التعذيب، الحالات الصحية التي لم يتم علاجها، أو أوضاع السجون الصعبة. بينما وثقت اللجنة المصرية للحقوق والحريات، وهي منظمة أخرى مراقبة، حالات احتجاز لقصر في سجون “خفية”، أو مراكز احتجاز سرية مشهورة بالتعذيب. بينما أنكرت السلطات المصرية استخدام التعذيب و أصرت على أن حالات الوفاة أثناء الاحتجاز كانت نتيجة الظروف الصحية التي ألمت بالمعتقلين قبل اعتقالهم، أو بسبب “أخطاء أو تجاوزات” من قبل القوات الأمنية.

الإفلات من العقاب

ينقل التقرير كيف أن مناخ ما بعد مرسي الذي اشتمل على إفلات الجناة من العقاب أصبح سلوكا سائدا في 2014. فلم تتم محاسبة أيا ممن ارتكبوا جرائب القتل، والتعذيب، والعنف الجنسي على أفعالهم.

حسبما يذكر التقرير في أحد الأمثلة على الإفلات من العقاب خلال عام 2014، تمت تبرئة ستة ضباط شرطة متهمين بقتل ثلاثة وثمانين متظاهر خلال ثورة عام 2011. حيث زعم محامو الدفاع، وفق تقارير، أن الإخوان المسلمين كانوا مسؤولين عن عمليات القتل. و وفق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تخلى نظام العدالة الجنائية في مصر عام 2014 “عن الحماية القانونية لآلاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة مع إعطاء سلطة مطلقة لمؤسسة إنفاذ القانون للعمل فوق القانون دون أي خوف من المحاسبة”.

السياسة الأمريكية

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

يبرز تقرير وزارة الخارجية الأمريكية التوترات في السياسة الأمريكية تجاه دول ذات أهمية استراتيجية مثل مصر. وعلى الجانب الآخر، أصدرت الإدارة الأمريكية رواية مفصلة وحساسة للغاية حول سجل حقوق الإنسان المصري، موضحة أنها مستعدة أحيانا للحديث بشكل معلن حول الممارسات الإستبدادية لحليف عربي بارز.

علاوة على ذلك، يؤكد مسؤولون أمريكيون، وفق تسجيلات، أن القمع يمكن أن يفاقم مشكلة الإرهاب التي تعاني منها مصر. وبالحديث حول الجهود العالمية لمواجهة الإرهاب، قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما بنفسه في فبراير: “عندما يقمع الشعب، وتنكر حقوق الإنسان… وعندما تسكت المعارضة، يتغذى التطرف العنيف”.

وعلى الجانب الآخر، يتمتع ذلك الوعي بتأثير حقيقي بسيط على السياسة الأمريكية الحالية تجاه مصر، التي أصبحت مركزة بشكل أكبر خلال الأشهر الماضية على مكافحة الإرهاب مع تدهور الوضع الأمني هناك وفي أنحاء المنطقة. تبدو الولايات المتحدة مراهنة، رغم دروس ثورة 2011، على أن أزمة حقوق الإنسان المصرية لن تؤدي إلى اضطراب واسع أو زعزعة للاستقرار في المستقبل القريب.

إيمي هاوثورن زميلة بارزة بمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي.

إليسا ميلر مساعدة برنامج بمركز رفيق الحريري.

المصدر

*ترجمة فريق موقع راقب