طالب مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، في بيان صحفي أصدره شهر يناير 2013؛ وسائل الإعلام الأمريكية بالتوقُّف عن استخدام مصطلح «الإسلاميين Islamists»،مُشيرًا إلى أنه يُستخدم في سياق الازدراء والتحقير مقرونين بالتطرُّف؛ مما يُضفي ظلالًا شديدة السلبيّة على المدلول. وقال المجلس أن الربط بين اصطلاح «الإسلاميين» ومظاهر التشدُد والعنف وحرمان اﻵخر من الحقوق الدينية والمدنيّة؛ هي رؤية يُروّج لها المعادون للإسلام. ودعا المجلس الإعلام للاقتداء بوكالة أسوشيتد برس الأمريكية؛ التي عرّفت «الإسلاميين»، عام 2012؛ بأنهم «من يؤيدون الحكم وفقًا للقوانين الإسلامية». ورأى البيان أن استخدام المصطلح دون تعريف واضح يعني إصدار أحكام دينية وسياسيّة نهائيّة بحق الموصوف في كل مرة يتم استخدامه.

وبعد أن كان اللفظ مُرادفًا إعلاميًا غربيًا للمسلمين «الذين لا نحبّهم»، أمسى مرادفًا ل«حلفائنا السياسيين» من المسلمين

كانت أسوشيتد برس قد تلت إعادة تعريفها لاصطلاح «الإسلاميين»، بحظر استخدامه، في أبريل 2013؛ على صحفييها للإشارة إلى المتشددين والجهاديين المتطرّفين. وذلك بعد أن أضافت إلى تعريفها للفظة «إسلامي» (بالانكليزية اسلامِست Islamist) أنهم طيف عريض ممن يعتبرون القرآن مرجعيّة سياسيّة؛ طيف يضم السياسيين المعتدلين جنبًا إلى جنب مع الجهاديين المتطرّفين. مما مهّد لإعادة الوكالة تعريف اللفظة بعد أقل من عام من تعريفها الأول؛ ليُمسي «الإسلامي» هو: المنتمي أو المساند لحركة سياسية ترى إعادة تشكيل الحكومة والمجتمع طبقًا لقوانين الإسلام. وبعد أن كان اللفظ مُرادفًا إعلاميًا غربيًا للمسلمين «الذين لا نحبّهم»، أمسى مرادفًا ل«حلفائنا السياسيين» من المسلمين (لاحظ إدراك الغرب لأسبقيّة الحكومة على المجتمع، في هذا التصوّر؛ وأن الحكومة فيه تكون شموليّة فاشيّة تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمع طبقًا لـ«قوانين» الإسلام الموهومة!).

ويبدو لي ذلك، من بعض الوجوه؛ ترسيخًا لمنهج الباحثة شيريل بينارد الذي خطّته قبل أكثر من عقد من الزمان (2003)؛ في تقرير مؤسسة راند الأشهر: الإسلام الديمقراطي المدني. فقد رفضت حينها الانسياق خلف الشائع في استخدام لفظة «إسلامي Islamist» لوصف كلًا من الأصوليين والتقليديين بدرجاتهم، وفضلت استخدام الأوصاف السابقة «تجنُّبًا للبس».

في سياق مُتصل منفصل أجاب ياسر برهامي (صوت السلف؛ 25 صفر 1434 – 7يناير 2013) على سؤال عن معنى لفظة «الإسلاميين» والفارق بينها وبين «المسلمين»؛ بأن الأول «مصطلح مُعاصر يُقصد به الذين يريدون عودة المجتمع والدولة إلى النظام الإسلامي في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها، وهم من يعلنون التزامهم بما يُقرره القرآن والسنة. وهم طائفة ملتزمة من المسلمين تجتهد في تعلم الدين والعمل به والدعوة إليه على اختلاف بينهم في بعض أو كثير من مسائل الدين. في حين لا يُمكن استخدام لفظ المسلمين بدلًا من لفظ الإسلاميين لما يوهمه مفهوم المخالفة من أن غيرهم ممن لا يعلم كثيرًا من أمور الشريعة ولا يعمل بها كافر غير مسلم، وهذا يتضمن تكفيرًا بالذنوب والمعاصي، وهو منهج الخوارج أهل البدعة والضلالة».

وصحيح أن ردّ البرهامي قد يبدو «عقلانيًا» ومقبولًا؛ إلا أنه يخلط بشكلٍ واضح بين «من لا يعلم كثيرًا من أمور الشريعة ولا يعمل بها»، وبين من يرفض هيمنة الشريعة على الحياة من النخب السياسيّة والثقافيّة، ولا يرى من ثم مسوغًا لـ«عودة المجتمع والدولة إلى النظام الإسلامي في السياسة والاقتصاد والاجتماع»، بغض النظر عن رأينا في شكل هذه العودة الطوباويّة؛ وهو الرفض الذي غالبًا ما يكون غير مباشر، وغير واع؛ فيأتي على صورة انتماءٍ أيديولوجي علماني (اشتراكي، رأسمالي، أناركي، قومي إلخ). هذه النُخب هي التي صُك المصطلح، بمدلوله المعاصر؛ أصلًا وحصرًا لتجنُّب مواجهتها، ولو معرفيًا؛ بل للاستفادة منها والتحالُف معها سياسيًا بعد إدماجها في الوعي بعُذرها، باعتبارها «ممن لا يعلم كثيرًا من أمور الشريعة ولا يعمل بها»، ومن ثم فلا يجوز تكفيرها … ولا دعوتها بطبيعة الحال!

من جهة أخرى؛ فإن رد البرهامي مهم لكونه صنّف الإسلاميين باعتبارهم طائفة/طوائف من أهل البلاغ، وهذا بابُ تفرُّقهم كما سيتضح لك لاحقًا. لقد توهّموا احتكار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظنوا تفرُّدهم بأمر من أمور الدين دون سواهم.


تورد موسوعة أكسفورد التعريف التالي لـ«الإسلام السياسي Political Islam»، وهو المدخل الذي ساهم في كتابته كلًا من جون فول وتمارا سونّ؛ بأن اصطلاح «الإسلام السياسي» عمومًا يُشير إلى أي تأويل للإسلام يُمكن استخدامه لتأصيل الهويّة والفعل السياسيين. وبشكل أكثر تحديدًا، فهو يُشير إلى الحركات المحدثة التي شكّلت ومارست النشاط السياسي باسم الإسلام، وهي الظاهرة التي برزت في أواخر القرن العشرين. ويضيف المؤلفان أن «الإسلام السياسي» هو المظهر المميّز للتطوّر الأوسع الذي شهده القرن العشرين والمسمى ب«الصحوة الإسلاميّة»، والتي سعى المسلمون في أنحاء العالم من خلالها لتعزيز فهمهم لدينهم، والتزامهم به. وبرغم ذلك؛ فلا تدخل كل حركات الصحوة الإسلامية، حسب هذا التصوّر؛ تحت لافتة «الإسلام السياسي».

يضيف المؤلفان أن «الإسلام السياسي» هو المظهر المميّز للتطوّر الأوسع الذي شهده القرن العشرين والمسمى ب«الصحوة الإسلاميّة»

وعلى سبيل المثال؛ فقد تمددت جماعة التبليغ والدعوة بقوّة منذ بداياتها في شمال الهند، عشرينيات القرن المنصرم؛ برغم أنها تتجنَّب النشاط السياسي بشكل صارم، مثلها في ذلك مثل بعض الحركات الصوفيّة، التي قدمت نموذجًا ديناميًّا مُتجددًا في العقود الأخيرة من القرن العشرين (ومنها حركة فتح الله كولن) بغير تبنّي برامج الإسلام السياسي. ومن ثم؛ يُستخدم مصطلح الإسلام السياسي، طبقًا لموسوعة أكسفورد؛ لتمييز نوع مُعيّن من البرامج السياسيّة الحزبيّة، وليس كتوصيف عام لأي نشاط سياسي في العالم الإسلامي.

وقد برزت البرامج السياسيّة الحزبيّة للصحوة الإسلاميّة كجيوب مُعارضة، وذلك على خلفيّة فشل الأنظمة القوميّة العلمانيّة على امتداد العالم الإسلامي، في الثلث الأخير من القرن العشرين؛ وقد تم توظيف البرامج الحزبيّة الصحويّة لأسلمة بنية الدولة ونظامها السياسي، ودمج اقتصادها القُطري في المجال الرأسمالي، بديباجات إسلاميّة؛ استنقاذًا للبنية ما بعد الكولونيالية، التي تحمي المصالح الكولونيالية؛ من الاندثار بسبب مغامرات القوميين العلمانيين وعنف صداماتهم مع الجماهير، ومع جيرانهم؛ والتي هددت استمرار هذه الكيانات الوظيفية في أداء مهامها.

لقد نالت هزيمة 1967 من كاريزما القيادات القومية العربيّة، وأفقدت برامجها جاذبيتها؛ فبدأت مجموعات هويّاتيّة إسلامية في البروز من داخل الجامعة كقوى معارضة، لتحل تدريجيًا محل اليسار، وتُزيحه من المشهد. ومع نهاية سبعينيات القرن العشرين، وبعد الإفراج عن أكثر قيادات الإخوان ودمجهم في النظام السياسيّ؛ سعت الجماعة لضم أكثر هذه المجموعات الشابّة إليها لتكوّن القاعدة الجديدة للجماعة، وذلك في الوقت الذي بدأ الدارسون والمراقبون برصد صور وأشكال جديدة من الجمعيّات والتنظيمات والتمظُهرات «الإسلامية» غير المألوفة، والمخالفة للتقليد الإسلامي؛ والمؤسسة أصلًا وحصرًا في المجال السياسي.

وقد ظهر مصطلح «اسلامزم Islamism» أول الأمر في اللغة الإنكليزية للإشارة إلى الإسلام ذاته، وذلك في نهاية القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. لكن مع حلول القرن العشرين؛ بدأت اللفظة العربيّة «إسلام Islam» تُزيح اللفظة التي استخدمها المستشرقون والكنيسة الكاثوليكيّة طويلًا، جنبًا إلى جنب مع لفظة «المحمدية» أو «المحمدانية»؛ والتي استهدفت دمج الإسلام في الوعي الأوروبي باعتباره «فرقة» مسيحيّة خارجة. وقد اختفت اللفظة من الاستعمال طوال القرن العشرين تقريبًا، لكنّها عادت للظهور في الوسط الأكاديمي الفرنسي إبان سبعينيات القرن العشرين، ومنه إلى اللغة الإنكليزية ثانية؛ وذلك للتعبير عما سُمي ب«الأصولية الإسلامية»، والتأويلات السياسية للإسلام، باعتبارها أيديولوجيات حداثيّة؛ وتمييزها عن الإسلام نفسه. وبرغم ذلك، لا زالت دلالة مصطلح «اسلامزم» خلافيّة عند مستخدميه؛ ليس لأنها تستلزم دورًا سياسيًا للإسلام فحسب، بل لأنها تنطوي على تبديع/تفسيق/تكفير من اعتقد بأن الإسلام لا علاقة له بالسياسة، وبأن الإسلام «الحقيقي» هو دين صاحب دور سياسي ابتداءا، وذلك بغض النظر عن التعامُل مع الإسلام باعتباره أيديولوجية سياسية من عدمه.

وقد كان أول من استخدم اصطلاح «الإسلام السياسي Political Islam» هو الأكاديمي الإسرائيلي من أصل أمريكي، تلميذ فؤاد عجمي وشارل عيسوي وبرنار لويس؛ مارتن كرامر (Martin Kramer)، وذلك في بحثه المنشور في جامعة جورج تاون عام 1980 بنفس العنوان. ويستخدم بعض الباحثين اصطلاح «الأيديولوجية الإسلامية Islamism» للتعبير عن نفس الظاهرة (وهو تعريب أدق من لفظة «الإسلاموية» عديمة الدلالة، والتي يستخدمها بعض الحداثيين المؤدلجين، ومُحدثي الكتابة والفهم من العرب).

ويعتبر بعض الباحثين الغربيين أن «الأيديولوجية الإسلامية» هي مجرد دعوة رومانتيكية للعودة إلى طهوريّة العالم ما قبل الكولونيالي، وتقتضي هيمنة الإسلام على المجالات الاجتماعية والسياسية، ناهيك عن الحياة الشخصية للأفراد، وذلك من خلال عدّة مظاهر: تطبيق الشريعة، وتحقيق الوحدة السياسيّة بين الأقاليم الإسلامية، والاستئصال الانتقائي للتأثيرات الثقافيّة الغربية في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، فضلًا عن تقويض الهيمنة العسكرية للغرب، والتي تنفي هيمنة الإسلام على تاريخ أتباعه وجغرافية المعمورة. وقد وجد أوليفييه روا أن الإسلام السياسي وأيديولوجياته قد صارت أكثر اعتمادًا على الديمقراطية السياسية بعد ما سمي ب«الربيع العربي»، حتى أن وجود واستمرار أحدهما قد ارتبط باﻵخر ارتباطًا عميقًا. ليس لأن أطياف الإسلام السياسي تمثِّل أكثر أطياف المعارضة السياسية كثافة في داخل الأنظمة ما بعد الكولونيالية، بل لأن مفردات الخطاب «الإسلامي» قد استولت على المخيال الشعبي، بغض النظر عن تفريغها من محتواها؛ وذلك برغم ضراوة الهجمة الإعلامية المضادة منذ انقلاب السيسي على الإخوان.


ولا يهم إن كان أبو الحسن الأشعري (المتوفى 324 هجرية) هو أول من استخدم مصطلح «الإسلاميين»، للإشارة للفرق والأحزاب التي شققت الجدل داخل الإسلام تمييزًا لهم عن عوام المسلمين؛ أو سبقه في ذلك أبو القاسم البلخي (المتوفى 319 هجرية)؛ فهو اصطلاح مُحدث لم يرد في القرآن ولا في السنة النبويّة. لكن ما يهمنا هو أن المصطلح لم يظهر في أدبيّات الحركة الإسلاميّة، ولم يشع استخدامه؛ إلا في وقت جد متأخر من الثمانينيات، وذلك بعد دخول الإخوان إلى البرلمان لأول مرة. وهو المصطلح الذي لم يستخدمه أكثر من كتبوا عن مقولات الفرق بعد الأشعري، ومنهم عبد القاهر البغدادي (المتوفى في 429 هجرية) وأبو الفتح الشهرستاني (المتوفى في 548 هجرية) . بل إن استخدام الإمام الأشعري له كان مُحملًا بدلالات تُناقض الاستخدام الأيدلويوجي المعاصر على مستوى الخطاب الواعي، وإن التقت معه، في نهاية الأمر؛ على مستوى الرؤية الكامنة. إذ لم يستخدم الأشعري المصطلح للمدح أو التزكية، بل للإشارة إلى الاختلاط الواضح للحق بالباطل في مقولات من اعتبرهم أهل بدع، وإن تجنَّب تكفيرهم برغم مخالفته لهم. أما الاستخدام الأيديولوجي المعاصر؛ فإنه يُبطن رفع مقام الإسلامي فوق المسلم، واعتباره في منزلة تفوقه؛ اعتباره ينتمي لشعب مختار بسبب مواقفه السياسية وأيديولوجيته الطهوريّة المعارضة. هذه التزكية الأيديولوجية للإسلامي هي بحد ذاتها تفكيك لوظيفة المسلم، ونكوص عن واجبه الدعوي تجاه كل أحد، وعلى رأسهم أهله وإخوانه المسلمين. بل هي حصرٌ طوباوي للإسلام في مجال العمل السياسي، واعتبار هذا المجال الفرعي هو كل الدين، وأن العمل للإسلام لا يكون إلا به، وأنه يكفي المسلم أن يصير إسلاميًا مؤدلجًا يُطنطن عن تقنين الشريعة في أحد برلمانات الطواغيت؛ ليدخُل الجنة!

لقد أدى استخدام المصطلح في كل الأحوال لخلط شديد كان من نتيجته تكفير جماعات من المسلمين، ونسبة بعض من لا تصح نسبتهم، بأقوالهم؛ إلى الإسلام

لقد استخدم الأشعري لفظة الإسلاميين لتفرقة المتكلمين عن الجيل الأول الذي تلقى الوحي بغير مقررات مسبقة، فسكت عن الكلام فيما سكت عنه الوحي والموحى إليه، صلى الله عليه وسلم؛ ولم يُشقق الجدل ويزيد الخلاف في مواطن التأويل. وقد احتذى عبد الرحمن بدوي حذو الأشعري ضمنًا، ومن ثم يُمكننا احتذاؤهما في تعريف «الإسلامي»، على المستوى الفلسفي؛ بأنه من خلط مناهج النظر الجاهليّة بمقولات «العقيدة» الإسلامية، وهو ما أنتج ذلك القالب الجدلي السكوني الممسوخ، والذي يزيد حدّة الأدلجة والتعصُّب للمذهب/الفرقة. إذ أن علم الكلام/الأيديولوجيا بنية جدليّة سكونيّة لا تُسهم في دفع حركة المسلم عروجًا إلى الله، بقدر ما تزيد حدة العداء بين الإسلاميين وغيرهم بسبب تصوّرهم السكوني، والذي لا يُمكن تفكيك صلابته إلا بالحركة؛ حركة رأسية على الأرض ودعوة إلى الله بتزكية النفس تُعيد العالم إلى ظلال الوحي، أو حركة أفقيّة إجرائيّة، على السطح؛ تزيد في بُعدهم عنه (لمزيد من التفصيل عن بنية الأيديولوجيا وخطرها على الإسلام؛ راجع مقالي «التوحيد والأيديولوجيا»، وهو متوفر على الإنترنت، أما موضوع الحركة والسكون).

ولذا؛ فليس ثم فارق حقيقي بين من يُقرّ من المعاصرين استخدام المصطلح بمدلوله الاجتهادي التوفيقي، وهؤلاء الذين يعتبرونه «شرعيًا» توقيفيًا. فإذا كان أهل التوقيف يعتبرون إطلاق مُسمى «الإسلامي» على جماعة أو فرقة معيّنة يرفعها لمكانة «جماعة المسلمين»، ويُخرج ما عداها من الملة؛ فإن التوفيقيين الذين استخدموا اللفظة لنفي هذا التوهُّم عينه، وإثبات أنهم مجرد جماعة من المسلمين؛ قد انتكسوا ليس فقط لإثبات هذا الوهم على وجودهم التنظيمي/الحزبي، بدعوتهم الناس إليهم كأنما يدعون إلى الله؛ بل آل بهم الأمر لإثبات إسلام جماعات وفرق وطوائف وأحزاب، تنفر أصلًا من الإسلام؛ وذلك طمعًا بالتحالف معها وموالاتها. لقد أدى استخدام المصطلح في كل الأحوال لخلط شديد كان من نتيجته تكفير جماعات من المسلمين، ونسبة بعض من لا تصح نسبتهم، بأقوالهم؛ إلى الإسلام. ومن جملة ما أدى له استخدام هذه اللفظة إسباغ العصمة ضمنًا على البنى والأحزاب والطوائف والفرق التي توهمت بنفسها «جماعة المسلمين»، ومن ثم تدنيس ما عداهم من الإسلاميين، بل وجمهور المسلمين. لقد استُخدم المصطلح، بغير تمييز؛ في وصف البشر أفرادًا وجماعات، جنبًا إلى جنب مع وصف منتجات الاجتهاد البشري من أفكار وأنظمة. وإذا كانت التسمية تجوز إجرائيًا في الثانية، فإنها مصدر بلبلة شديدة وفساد كبير في الأولى.

إن تسمية «إسلامي» قد تجوز في أبواب الحضارة والعمران السكونيّة، ولو على غير المسلم. فمنتجات الحضارة الإسلامية تحتفظ بصفتها «الإسلاميّة» ولو كان مُنتجها يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا. وكذا في معرض توصيف المنتجات الثقافية مثل الشعر «الإسلامي»، الذي يُقصد به الشعر الذي قيل في العصر الإسلامي؛ أي بعد البعثة النبويّة.

ونظريًا؛ قد يدعم المدلول السلبي للفظة «إسلامي Islamist» ما أشار له بعض الباحثين من ورودها في مخطوطات مغربية، تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ حيث أطلقت تسمية «إسلامي» على اليهود الوافدين من إسبانيا، الذين تحوّلوا للإسلام؛ حتى يُمكن تفرقتهم عمّن ورث الإسلام. وكذا أطلقت نفس التسمية على من كان والداه كافرين فأسلما. كما أطلقت على كل مستشرق اضطلع بدراسة الحضارة الإسلامية ومعارفها.

لقد التقى مقصد الأشعري، آخر الأمر؛ مع واقع الإسلاميين المعاصرين على مستوى الرؤية الكامنة، فكان مدحهم الآني لسلوكهم السياسي قدحًا في تصوّراتهم على المدى الطويل. فإذا كان الإسلاميون قد اعتبروا أنفسهم ضمنًا فوق عوام المسلمين، الذين وكّلوا بدعوتهم؛ فقد ارتدّوا سلوكيًا وانتكست تصوّراتهم، خلال الثلث الأخير من القرن العشرين؛ لما دون المسلمين، وما أحزاب الإخوان والسلفيين (وغيرهم!) عنّا ببعيد. إن الإسلامي الذي اعتبر نفسه فوق المسلم قد صار دونه على الحقيقة، وهو حين يستخذى لغير المسلم، ويحمل على مُخالفه من المسلمين؛ إنما يُعيد إنتاج نموذج الفرق المبتدعة التي تتبَّع الأشعري مقالاتها.

وسنفصِّل بعض أسباب استخدام المصطلح وأثره في الجزء الثاني، إن شاء الله؛ فإلى لقاء.